الحدث المتميز في المدونة تصفحا و قراءة

  • الفلاش باك : صاحب جبل الدخان ..!
  • فلاش باك 2 : لقد أنزلني من السماء لتطهير الأرض من الشر !
  • فلاش باك 3 : تبخير الخنزير..!
  •  الكبسولة الأولى : البداية ,
  • وْريني وْحْشْك !
  • حظيرة إقليم العرائش ..!
  • الأمل في الله، فالبلاء مُوكل بمنطق ..!!
  • همسات الراكب على الفيل ..!
  • المعمم بالثعبان ..!
  • الرفيق الأعلى يختار الإعلامي المناضل الوطني

كيف تحولت الشرفة الأطلسية بالعرائش لمسرح للجريمة !بقلم : عبد القادر العفسي

الأحد، 19 يوليو 2026


 

 

كيف تحولت الشرفة الأطلسية بالعرائش لمسرح للجريمة !

21 يوليو 2025

بقلم : عبد القادر العفسي

توطئة لابد منها :

إن انبعاث الوعي بالعرائش ، تجلى في حراك مقدس ، ليس مجرد فعل سياسي، بل هو إزاحة أركيولوجية للطبقات المتراكمة من الفساد التي شوهت معمار الحياة العامة ، إنه حراك مبارك يستعيد فيه المواطن، ليس كفرد منعزل، بل كذات فاعلة ضمن خطاب جماعي، قوته المسلوبة، إنها لحظة استنهاض للضمائر الحية، تلك الإرادات الإيجابية التي تتخلل هياكل الدولة، لتفكيك آليات الفساد التي أخلت بالميزان، وحولت الفضاء العام إلى حلبة صراع تهيمن عليها لوبيات الفساد والإفساد، وخدامهم الذين يتوارون خلف أقنعة الشرعية .

إن الدولة، في جوهرها، ليست كيانا جامدا، بل هي فضاء حيوي يتطلب وعيا مسؤولا من مواطنيها، فالمغرب ، بتاريخه ورهاناته وتحدياته، لا يمكن أن يختزل في قبضة “الشفارة”، نحن اليوم في اصطفاف وطني، ليس مجرد تكتل سياسي، بل هو فعل جينالوجي يهدف إلى استعادة الثقة وتطهير المرافق العمومية، تلك الأماكن التي يجب أن تكون مرآة لعدالة الدولة، لا مرتعاً للنهب، إنها دعوة لتوحيد الرؤى،لخلق قطيعة معرفية مع الماضي الذي سمح بتسرب الفساد، ولإعادة بناء التناغم بين الدولة والمجتمع، بعيدا عن وهم الانفصال .

لسنا أولئك الذين يهربون المخدرات، ولا أولئك الذين ينهبون الأموال، و لسنا عملاء لجهات أجنبية ، ولسنا خدام لأجندات مشبوهة ، و لا نصدر الشذوذ الجنسي ، ولا أولئك الذين يسيطرون على الأراضي السلالية، ولا أولئك الذين يستنزفون الثروات الطبيعية … نحن مغاربة، نؤمن بوطننا وشعبنا ودولتنا، ونرفض رفضا قاطعا أن يتم “تهريب”الدولة، ككيان وكفضاء، لصالح فئة نافذة ومتنفذة، تتغذى على الزبائنية وتنسج شبكاته الخفية .


إن هذا الحراك هو بمثابة حلم يقظة جماعي، يوقظ فينا الخيال المادي لتطهير هذا الفضاء العام، وإعادة تشكيله وفقا لجمالية العدل والشفافية، ليكون وطنا يتنفس فيه الجميع هواء الحرية والكرامة. انتهى .

يا لها من مسرحية عبثية فاخرة تعرض على خشبة مدينة العرائش! الكل مدعو للمشاركة في هذا العرس النضالي المبارك، فالحرقة، يا سادة، ديمقراطية أكثر من مسؤولينا، تطرق باب الجميع دون استثناء، وتعدنا بمستقبل باهر… أو ربما بمقعد في قارب مطاطي ، الأمل الوحيد المتبقي هو صراخ الساكنة ، الذي يبدو أنه لا يصل إلى الآذان الصماء في المكاتب المكيفة، خاصة وأن العقول التي تدير شؤون العرائش ضحلة كبركة ماء بعد يوم حار!.

تخيلوا المشهد: مشروع عام، من المفترض أنه للشعب، يفتتح في جنح الظلام، كأنه صفقة ممنوعة أو طفل غير شرعي يخشى والده الاعتراف به، المسؤولون الكرام، أبطال الغياب والتخفي، لم يكلفوا أنفسهم عناء الحضور، وكأن المشروع هبط من المريخ بكبسة زر!، باختفائهم، هم يقرون بأبوتهم لهذا اللقيط المشوه! والطامة الكبرى، أنه في نفس اللحظة التي كانت حناجر المواطنين تبح في وقفة احتجاجية، كانت مواكب السيارات الرسمية ذات اللوحات الحمراء اللامعة تصطف في حفل تدشين مشروع خاص، وكأنها تزف عروسا من ذهب ! .

إنه لغز محير يفوق منطق أرسطو: كيف يهربون من واجب تشرف عليه الدولة، ويتسابقون كالفراشات نحو نار مشروع خاص؟ ربما كان على الساكنة المكلومة أن تفرش السجاد الأحمر وتقدم أطباق “البسطيلة” والمشروبات الغازية، فمعدة المسؤول أسرع طريق إلى قلبه… أو على الأقل إلى حضوره ؟

لا تلوموا “البسطيلة” وحدها، فالظاهر أن مسؤولينا الأعزاء يعانون من حالة متقدمة من الارتباك الجغرافي ، ربما نخيل “الشرفة الأطلسية” وتجهيزاتها التي نقلت سراً إلى المشروع الخاص، فظنوا أنهم يحضرون افتتاح ما سرقوه بالأمس ! كانوا هناك، يبتسمون للكاميرات، بينما “الزفت” الجديد ونخيل الزينة يلعنان أسلاف الحاضرين بصوت خفي، تمامًا كشجر الغرقد في الأساطير القديمة ! .

يا إلهي! حتى الصهيونية في أوج “تحرامياتها” لم تصل لهذا المستوى من الإبداع في قلب الحقائق ، يبدو أننا دخلنا عصر الشرور المطلقة، حيث المصداقية كلمة مطاطية لا معنى لها، والوعود مجرد حبر على ورق يذوب مع أول قطرة مطر !إننا أمام مرحلة لا مصداقية لأي صاحب دكان حزبي أو مسؤول ، فملك البلاد ينزل و يتواصل مع المواطنين أمّ المعين بظهير هنا هو ارفع من الناس و من التعين و من عَينه !.

إفيالتيس رئيس البلدية: الذي أضحكنا حتى البكاء في مسرحية المدينة السورية! بقلم : عبدالقادر العفسي

 إفيالتيس رئيس البلدية: الذي أضحكنا حتى البكاء في مسرحية المدينة السورية!

13 يوليو 2025 

بقلم : عبدالقادر العفسي

في هذا الكرنفال الكوني العبثي، حيث تتمازج الأقنعة على مسرح الوجود المتهالك، وتعزف سمفونيات الفساد على أوتار البؤس البشري، تبرز لنا مدينة ! لا هي بالمدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة في غفوتهم، ولا هي بالمدينة الفاسدةِ التي استيقظوا عليها في كوابيسهم، بل هي تجسيدٌ حي للكوميديا السوداء، حيثُ يختلط الضحكُ بالدموعِ، والسخرية بالمرارة. 

هنا، في هذا الفضاءِ السياسي المعقد الفاقع ، يتربع كائن أسطوري يدعى رئيس المجلس البلدي كائن، لا هو بالملك الفيلسوف الذي يدير شؤون الرعية بحكمة وعقلانية، ولا هو بالدكتاتور المستبدّ الذي يحكم قبضته بقوة وجبروت، بل هو مجرد “شبحٍ” يرتدي حلة السلطةِ يمارس طقوس العبث المقدسةِ ببراعةٍ تثير الدهشة والسخرية، بل هو مجرد دمية خشبية تحركها خيوطٌ خفية من وراء الستار، خيوطٌ تمسك بها أيادي “السلطة الإقليمية”، تلك السلطة التي لا تملك من السلطة سوى اسمها، ومن الإقليم سوى حدود وهمية على الخرائط، تقتات على هذا المجال كصنف من الحشرات التي تطعم نفسها من دم الوطن و المواطنين كطقس افتراس رسمي !

لقد تحولت هذه المدينة، التي كانت ذات يوم تشبه قصيدة شعرية من الجمال والعمران، إلى لوحة تجريدية من الفوضى والخراب، رسمتها أيادي العابثين بفرشاة الجهل والفساد، كل زاوية فيها تحكي قصة إهمال متعمد، وكل شارع يئن تحت وطأة الإهمال المُمنهج، أين ذهبت تلك الحدائق الغناء التي كانت تُشبهُ واحات من الأمل في صحراء الحياة؟ أين اختفت تلكَ النوافير التي كانتْ ترقصُ على إيقاع الفرحِ والبهجة؟ أين تلك الزخرفات الأسطورية..!لقد ابتلعتها شهوة التملك، ودفنتها أكوام الرشاوى و صفقات “إخوة يوسف”! وباتت مجرد أشباح تتجول في ذاكرة من لم يصبهم وباء النسيانِ الجماعي.

 إنّ هذا الكائنَ البلدي، الذي يمتلك من الذكاء أصناف العقد الفيزيقية ما يكفي لجمعِ الثروات على حساب البؤساء، ومن الوقاحة ما يجعله يبتسم في وجهِ الكارثة، هو تجسيد حي لتلك السذاجة الفلسفية التي تصر على أنّ كل شيء على ما يرام، حتى عندما تكون الحقيقة صارخة كالشمس في رابعة النهار!  فبينما تتهاوى البنى التحتيةُ، وتغرق الشوارع في مستنقعاتِ الفساد، يخرج علينا بجسده المتهالك القزم كأحدب “إفيالتيس” الخائن المسخ المشوه الذي خان ” الاسبرطيين ” في فلم ” 300 ” ، خرج علينا و هو يلقي خطبا باسم رئيس السلطة الإقليمية “زيريكسيس”( الإمبراطور الفارسي الذي دله إفيالتس الخائن على الطريق المؤدي إلى المعبر وقتلوا الأسبرطيين 300) و هو يحدثنا عن التنمية والازدهار وعن رؤية جانبه المعظم و قرارته الفونطازمية لها مبلغ النشوة ! يتحدث و هو معتز بنفسه القزم الخائن !  وكأنَّ المدينةَ التي نراها ليستْ هي المدينةَ التي يراها هو من عليائه الملوث بالمال الحرام، وكأن الواقعَ الذي نعيشه ليس هو الواقع الذي يُدركه هو في أحلامه الوردية .

لو كان هناك من يبحث عن الحقيقة في هذا الزمن الأغبر، لكان قد حمل مصباحه في وضح النهار يبحث عن إنسان واحد في هذا المستنقع البلدي، ولما وجد سوى أشباه كائنات ترتدي أقنعةَ النزاهة، وتخفي تحتها وجوها شاحبة من الجشع والفساد! لقد بات الفساد هنا ليسَ مجرد فعل، بل هو جوهر الوجود، منهج يدرّس في مدارس الظلام، ويطبّق بحذافيره في أروقة السلطة البالية، وكأنه قانون طبيعي لا يمكن تجاوزه،إنّ هذا التفاؤل الأعمى الذي يروّج له هؤلاء السادة، هو بمثابة سم بطيء يحقن في عروق المجتمع لينسيه آلامه، ويعمي بصيرته عن حقيقة الواقع المرير، إنهم يُريدوننا أنْ نصدّق أنَّ كل شيء يسير على ما يرام، وأن الغد سيكون أفضل، بينما هم يحكمون قبضتهم على مقدرات المدينة، ويحوّلون أحلام المواطنين إلى كوابيس لا تنتهي، كوابيس تطاردهم في يقظتهم ومنامهم، وتحاصرهم في كلّ زاوية من زوايا حياتهم.

في هذا العبثِ الوجودي، يمكننا القول إنّ هؤلاء السادة قد أتقنوا فنّ “الهروب من الواقع”، فهم يفضلون العيش في عالم من الأوهام والأكاذيب، حيث لا يحاسبون على أفعالهم، ولا يساءلون عن قراراتهم، إنهم يعيشون في فقاعة من الامتيازات والفساد، بعيدا عن واقع المواطن البسيط الذي يرزح تحت وطأة الفقر والإهمال، وكأنهم كائنات من كوكب آخر، لا يربطهم بهذا العالم سوى شهوة التملك والسيطرة، ورغبة جامحة في تحويل كل شيء إلى سلعة تباع وتشترى.

وبحسب رؤية “غاستون باشلار” فإنّ هذه المدينة، بكل ما فيها من خراب وفساد، هي ليست مجرد واقع مادي، بل هي “فضاءٌ شعري”! فضاء تتشكل فيه أحلام اليقظة والكوابيس، وتتجسد فيه الصور الذهنية للفساد والإهمال، إن كل حفرة في الشارع، و كل تشويه للهوية و المكان ، وكل مبنى متهالك، وكلَّ زاوية مظلمةٍ…هي ليست مجرد أشياءَ مادية، بل هي “صور” تثير فينا مشاعر السخرية والمرارة، وتجبرنا على التفكير في طبيعة هذا الوجودِ العبثي، إنَّ الفساد هنا ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو “جوهر” تغلغل في كل تفاصيل الحياة، ويشكل وعينا بالواقع.

 لا يسعنا إلا أن نردد: “إنّ السخرية هي السلاح الأخير للعقل في مواجهة الجنون المستشري”، فلتكن سخرية قلمنا لاذعة، وكلماتنا سهاما تخترق جدران الصمت، وتوقظ الضمائر الغافلة، لعلَّ بصيصًا من الأمل يلوح في الأفق المظلم و لعل زعيم هذه البلاد بحسب التعاقد ينجذب للألم و يعلم أن هنالك روح و جسد في المكان ! ويشرق معها فجر جديد على مدينة طال انتظارها للعدل والجمال، أو لعلها مجرد وهم آخر يضاف إلى قائمة الأوهام التي نعيشها، في هذا العالم الذي بات يشبه مسرحية عبثية لا نهاية لها.

الوعي الزائف:رسالة إلى امرأة تسكنها الأوهام! بقلم :عبدالقادر العفسي


الوعي الزائف:رسالة إلى امرأة تسكنها الأوهام!

5 يونيو2025  

بقلم :عبدالقادر العفسي

الرسالة : الثلاثون
عزيزتي شمس النساء زهرة الشوك الفضي :

في حضرة الروح، حيث تتجلى الحقائق عاريةً من زيف الأقنعة، أقف شاهدا لا قاضيا، على رقصةٍ أزلية بين النور والظلام في أعماق كيانك، هذه ليست مجرد كلمات، بل هي نبضات من وعيٍ يلامس حدود اللاوعي، دعوةٌ لروح تتأرجح بين بريق الظاهر وعتمة الباطن، لكيان نسجته أقدار وتجارب، فصار لغزا يختبئ خلف ستار من الوهم .

لقد أتقنت فن الظهور، يا شمس النساء، كشمسٍ ساطعة لا تغيب، وكزهرة شوكيةٍ تحمي نفسها بأشواك حادةٍ من كلّ لمسة خلاقة بينما تماهيك مع أكثر الكائنات جهلا و سوءا و عنف، هذا القناع ” البرسونا”، الذي صقلته السنون، ليس إلا تحفةً فنية من الزيف، واجهة مصممة بعنايةٍ فائقةٍ لتعكس صورةً من القوة، الثقة، واللامبالاة، صورةً لا تكسرها رياح الشك ولا تهزها عواصف النقد كما تعتقدين ، ولكن، هل تساءلت يوما عن الثمن الباهظ الذي تدفعينه للحفاظ على هذا القناع؟ هل أدركت أن كلَّ خيط تنسجينه لإخفاء حقيقتك التافهة يشدُّ وثاقًا حول روحكِ، ويمنعها من التنفس بحرية في فضاء الأصالة؟ إنها سجنٌ من صنع يديك، قفص ذهبي يلمع من الخارج، لكنه يخنق الروح من الداخل، ويحرمها من لذة الانطلاق في فضاء الحقيقة .

إنَّ هذه الصلابة الظاهرية، وهذا الميل المفرط للسيطرة والجدل، ليس إلا صدى لجانبٍ ذكوري متصلب في أعماق لاوعيك، هذا الجانب، الذي يفترض أن يكون مصدرا للقوة البناءة، قد تحول لديكِ إلى قوة مدمرة، بل”أنيموس” غير متكامل، يفتقر إلى مرونة الأنوثة وحكمة الحدس، إنه يدفعك نحو صراعات لا تنتهي، ليس بحثًا عن الحقيقة، بل فرضا لسيطرة وهمية، وإثباتا لذات مهزوزة تتوارى خلف قناعٍ من الفولاذ،إن كلّ كلمة حادة تطلقينها، وكل موقف جامد تتخذينه، هو تجل لهذا الجانب الذي يصرخ من أعماقك، محاولًا التعويض عن نقص لاواعٍ، عن هشاشة لا ترغبين في الاعتراف بها، إنه صدى لصرخة مكتومة، محاولةٌ يائسةٌ لملء فراغٍ لا يملؤه إلا التصالح مع الذات.

وهنا يكمن مربط الفرس، يا زهرة الشوكي الفضي، في الخيال بل الظل الذي يطاردك في كل زاوية من زوايا نفسك، هذا الظل، الذي يضم كل الصفات التي نبذتها ورفضتها في ذاتك، كلَّ المخاوف، الضعف، عدم الأمان، والحاجة الماسة للحب والتقدير، لقد حاولت دفن هذا الظل عميقًا، لكنه يظلّ يهمس في أذنيك، يظهر في أحلامك، ويتجلى في دوافعك المرضية، إن رغبتك الجامحة في السيطرة المطلقة، وخوفك الشديد من الفشل أو الضعف و الترامي على الكائنات اكثر دنائة و ضحالة ، ليسا إلا تعبيرا عن هذا الظل الذي يخشى الانكشاف، إنكِ تسعين جاهدة لإثبات ذاتك، ليس من منطلق قوة حقيقيةٍ، بل من دافعٍ لاواعٍ للتعويض عن نقصٍ داخلي، عن عقدة نفسية عميقة، قد تكون عقدة نقص، أو ربما عقدةً مرتبطةً بجذورك الأولى التي شكلت نظرتك للسلطة والوجود، إنه فراغٌ روحي لا تملؤه كنوز الأرض، بل يزداد اتساعا كلما حاولت تجاهله .

ولكن، هل اكتفيت بهذا الصراع الداخلي؟ أم أن هناك أبعادا أخرى تتجلى في عشقك للمادة، هذا العشق الذي يحول الوجود إلى مجرد تراكمات، ويجعل من الروح سلعةً تُباع وتشترى في سوق الزيف؟ إن هذا الهوس بالمقتنيات، وهذا السعي الدائم وراء البريق الخارجي، ليس إلا محاولةً يائسةً لملء فراغٍ روحي، فراغٍ يتسع كلما ازددتِ تمسكا بما هو زائل، إنك تتغذين على الفضلات، لا أقصد فضلات الجسد، بل فضلات الروح، تلك القيم البالية، والأوهام التي تظنينها حقائق، والزيف الذي تلبسينه ثوبا للواقع، إنك تعيشين في عالم من الأقنعة، حيث الحقيقة تطمس، والأصالة تدفن، وكل ما هو نقي يُلوث ببراثن المادية الجشعة، ويتحول إلى رمادٍ لا يروي ظمأ الروح .

ألم تشعري بعد بانهيار الجسد، يا زهرة الشوكي الفضي؟ هذا الجسد ، والذي تحاولين تجميله وتزيينه بكل ما أوتيت من قوة، بدأ يئن تحت وطأة الزيف والإنكار، إن كل تجعيدةٍ تظهر، وكل وهن يتسلل، هو صرخةٌ من الروح التي ترفض هذا القناع، وتطالب بالتحرر من قيود المادة، إنك في صراعٍ مع حتمية الفناء، مع طبيعة الوجود التي لا تقبل الزيف، ومع حقيقة أن الجسد، مهما بلغ من الترقيع ، هو مجرد وعاء مؤقت للروح، مصيره الزوال، فهل تدركين أن هذا الانهيار الجسدي ليس إلا انعكاسا لانهيار روحي أعمق؟

وفي خضم هذا الصراع، تتجلى غربتك، غربةٌ ليست جغرافيةً فحسب، بل روحيةٌ ووجوديةٌ، إنك تتأرجحين بين أصالة فقدتِها ومعاصرة لم تبلغيها، بين تراث تتنكرين له وحداثةٍ لا تنتمين إليها، إنها غربةٌ تجعلك بلا جذور، بلا هوية، تائهةً في صحراء الوجود، لا تجدين ملاذًا في الشرق ولا في الغرب، هذه الغربة تولد مرارةً وسخريةً، تدفعكِ إلى نبذ كل ما هو أصيل، والتمسك بكل ما هو زائف، في محاولةٍ يائسة للهروب من ذاتك ومن واقعك، لتجدي نفسك أسيرةً لسراب لا يروي عطش الروح، وصدى لأصوات لا تحمل معنى ..
..
 إنها غربةٌ تلتهم الروح، وتتركها معلقةً بين سماء لا تعرفها وأرض لا تنتمي إليها

إنَّ صراعك الحقيقي ليس مع العالم الخارجي، بل مع ذاتك، إنها معركةٌ بين قناعك المزيف وروحك الأصيلة، بين جانبك المتصلب وجانبك الأنثوي المكبوت، بين وعيك الذي يرفض الاعتراف وظلك الذي يصرخ بالحقائق، إن هذه الرسالة ليست اتهاما، بل دعوةٌ للتأمل، لرحلة داخلية شجاعة نحو أعماق نفسك، نحو تلك الزهرة الحقيقية التي تنتظر أن تتحرر من أشواكها الوهمية، لتزهر بجمالها الطبيعي، لا بجمالٍ مصطنعٍ يرتكز على الخوف والسيطرة، ولا بجسد زائفٍ يتلاشى مع كل يوم يمر.

 تفكري، يا شمس النساء، في هذه الكلمات المكتوبة بالدم الشخصي لأنها روح ، دعيها تتغلغل في أعماقك، وتثير فيك ذلك الصراع الداخلي الذي قد يكون بدايةً لصحوة حقيقية، لرحلةٍ نحو التكامل والانسجام، نحو ذات تتصالح مع كل جوانبها، المضيئة والمظلمة، الذكورية والأنثوية، الواعية واللاواعية، ففي الاعتراف بالظل يكمن النور، وفي تقبل الجانب المتصلب يكمن التوازن، وفي خلع القناع تكمن الحرية الحقيقية، وفي مواجهة الزيف تكمن الأصالة، وفي تقبل الفناء يكمن الخلود، وفي احتضان الغربة تكمن العودة إلى الذات .

مع خالص التأمل، وانتظر لكي تشرق الشمس من جديد !

الهاوية: تشريح نفسٍ تائهة في متاهات الفقر والتخلي والسلوك السياسي بقلم : عبدالقادر العفسي

 


 

الهاوية: تشريح نفسٍ تائهة في متاهات الفقر والتخلي والسلوك السياسي

28يونيو 2025 

بقلم : عبدالقادر العفسي

في سراديب النفس البشرية، حيث تتراقص ظلال الماضي على جدران الحاضر، تتجلى حكاياتٌ لا تُروى إلا بلسان السلوك، وتُفهم إلا بعين البصيرة، إنها حكاية كائنٍ بشري، وُلد في أحضان الفاقة المدقعة، وتجرّع مرارة التخلي الأبوي في ريعان الطفولة بعد الشك في نسبه ، حين ألقت به الأم، رمز الحنان والأمان، في غياهب النسيان لتُعاقر حياةً أخرى،هذا التمزق الأول، هذه الجراح الغائرة في أعماق الروح، لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت الشرارة التي أشعلت نيرانًا لا تنطفئ في دواخله، لتُشكّل مساره، وتُحدد مصيره، وتُلقي بظلالها الكثيفة على كل فعلٍ وقولٍ يصدر عنه.

سيتناول هذا المقال تحليلًا معمقًا لهذه الشخصية، مستندًا إلى أهم مدارس علم النفس العميق، والنظريات السياسية، والأطروحات الفلسفية،سنحاول الكشف عن الجذور النفسية لسلوكياتها المنحرفة، وكيف تتجلى هذه الجروح في اختياراتها السياسية والاجتماعية، وصولًا إلى فهم أعمق للتداعيات المدمرة التي يمكن أن يخلفها الحرمان العاطفي والمادي في مرحلة الطفولة على الفرد والمجتمع،لن نكتفي بالوصف السطحي، بل سنسعى إلى تفكيك الطبقات المتعددة لهذه الشخصية، مستخدمين عدسة التحليل النفسي “لفرويد” و”يونغ”، ونظريات السلطة والفساد، والفلسفات التي تتناول طبيعة الشر الإنساني والبحث عن المعنى في عالم مضطرب، الهدف هو تقديم رؤية شاملة ومتكاملة، تتجاوز مجرد السرد لتصل إلى استنتاجات تحليلية عميقة، تضيء جوانب مظلمة من النفس البشرية وتفاعلاتها مع الواقع المحيط.

إن هذه الشخصية، التي نشأت بين أكناف الجيران، محرومةً من دفء الأسرة وسندها، لم تعرف سوى قسوة الحياة ووحشة الوحد، إن الفهم العميق لهذه الشخصية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الغوص في أعماق اللاوعي، حيث تتشكل الدوافع الخفية والرغبات المكبوتة التي توجه السلوك الظاهر،من منظور التحليل النفسي “الفرويدي”، تمثل الطفولة المبكرة حجر الزاوية في بناء الشخصية، والصدمات التي يتعرض لها الفرد في هذه المرحلة تترك بصمات لا تمحى، حالة الفقر الشديد والتخلي من الأبوين، وخاصة الأم التي رمت طفلها وتزوجت شخصًا آخر، هي صدمة نفسية مدمرة، هذا التخلي يولد شعورًا عميقًا بالرفض، النقص، وعدم الأمان، ويؤدي إلى تثبيت في مراحل النمو النفسي الجنسي المبكرة، مما يؤثر على تطور الأنا والأنا العليا.

هذا الحرمان المبكر، هذا الفراغ العاطفي الهائل، لم يترك مجالًا لنمو نفسٍ سوية، بل زرع بذور النقص، وعدم الأمان، والشعور العميق بالدونية،من هنا: يمكننا أن نرى كيف أن مسلكياته اللاحقة، التي بدت للوهلة الأولى غريبة أو حتى شريرة، ليست سوى محاولات يائسة، وإن كانت مدمرة، لملء هذا الفراغ، وتعويض هذا النقص، وإثبات الذات في عالمٍ لم يمنحه سوى الألم والتجاهل، إنها رقصةٌ وجوديةٌ معقدة، تتداخل فيها الدوافع اللاواعية مع الصراعات الداخلية، لتُنتج سلوكًا يثير الدهشة، ويستدعي التأمل، ويُجبرنا على الغوص في أعماق النفس البشرية، حيث تتلاقى الفلسفة بعلم النفس، وتتعانق السياسة بالوجود.

من منظور “كارل يونغ” وعلم النفس التحليلي، يمكن النظر إلى هذه الشخصية على أنها تعاني من “عقدة الأم السلبية”حيث أن صورة الأم في اللاوعي الجماعي لم تتطور بشكل صحي، هذا النقص في التكوين الأولي يؤدي إلى ظهور “الظل” في أبهى صوره السلبية، حيث تتجلى الدوافع المكبوتة، العدوانية، والجانب المظلم من الشخصية، السلوكيات المنحرفة مثل: الفساد، الابتزاز، واستغلال الآخرين، هي تعبير عن هذا الظل الذي لم يتم دمجه أو التعامل معه بشكل صحي، الشخصية تسعى إلى “التفرد” ولكن بطريقة سلبية، حيث تحاول إثبات ذاتها وقوتها من خلال تدمير الآخرين والسيطرة عليهم، بدلاً من تحقيق التكامل النفسي والنمو الروح.

لقد كبر هذا الكائن، وتكافأته الحياة بمهنة التعليم، مهنةٌ نبيلةٌ كان من المفترض أن تُشذّب روحه، وتُهذّب سلوكه، لكن، وكأن القدر أراد أن يُظهر لنا مدى عمق الجرح، ومدى قوة تأثير الماضي، فقد تزوج بفعل مسلكياته المنحرفة سيدةً محترمة، ليُحوّل حياتها إلى جحيمٍ لا يُطاق، هنا، تتجلى بوضوح ديناميكيات التحليل النفسي الفرويدي، حيث يُسقط هذا الكائن غضبه المكبوت تجاه الأم المتخلية على زوجته، التي تُصبح رمزًا للأمومة المفقودة، يمكن تفسير سلوك الشخصية اللاحق، مثل تحويل حياة زوجته إلى جحيم، على أنه إسقاط للغضب المكبوت تجاه الأم المتخلية، الزوجة هنا تصبح رمزًا للأم، ويتم تفريغ العدوانية الموجهة نحو الأم الأصلية عليها، هذا السلوك يعكس أيضًا بحثًا لا شعوريًا عن السيطرة والقوة، كتعويض عن الشعور بالعجز والضعف الذي عاشه في طفولته، بل ان الرغبة في أن يكون “أقرب إلى النساء”، ثم استغلالهن في مهام قذرة، ليست سوى تعبيرٍ عن عقدة الأم السلبية، حيث يُحاول هذا الكائن إعادة تمثيل علاقة الأمومة المفقودة، ولكن بطريقةٍ مشوهةٍ وسادية، يُعاقب فيها النساء على خطيئةٍ لم يرتكبنها، ويُعوض فيها نقصه العاطفي من خلال السيطرة والاستغلال، بدلاً من الحب والاحترام، إنها صورةٌ قاتمةٌ للظل “اليونغي”، حيث تتجلى الدوافع المكبوتة، والعدوانية، والجانب المظلم من الشخصية في أبهى صورها.

لم يكتفِ هذا الكائن بتحويل حياة زوجته إلى جحيم، بل انخرط في عملٍ سريٍ مع أجهزةٍ أمنيةٍ خاصة، كُلّف بمهام قذرة، والتوسط مع نساءٍ ليقمن بهذا العمل هذا الانخراط في عالم الظلال، هذا الاستغلال البشع للآخرين، يعكس نزعةً “ميكافيليةً” عميقة، حيث يُصبح الآخرون مجرد أدواتٍ لتحقيق الأهداف الشخصية، دون أي اعتبارٍ للأخلاق أو القيم الإنسانية، إنها إرادة القوة “النيتشوية” في أقصى تجلياتها، حيث يسعى هذا الكائن، الذي عانى من الضعف والعجز في طفولته، إلى تعويض ذلك من خلال ممارسة أقصى درجات القوة والسيطرة على الآخرين:السكر المفرط( و هو يدعي غير ذلك) وتضخيم الذات أمام النساء يمكن تفسيرهما كآليات دفاعية تهدف إلى إخفاء الشعور العميق بالنقص وعدم الكفاءة، الكحول يوفر هروبًا مؤقتًا من الواقع المؤلم، بينما الغرور والتضخيم الذاتي يمثلان قناعًا يحاول من خلاله إخفاء هشاشته الداخلية. هذه السلوكيات هي محاولات يائسة للحصول على الاعتراف والتقدير الذي حرم منه في طفولته، ولكن بطرق غير صحية ومدمرة، إنها دورة مفرغة من البحث عن التعويض، الذي يؤدي بدوره إلى مزيد من التدمير الذاتي والاجتماعي.

لكن، وكأن القدر أراد أن يُظهر لنا مدى قدرة هذا الكائن على التلون والتحول، فقد انخرط في حزبٍ يميني :كأنه “سنبلة” فارغة تنبت في حقل مخضر، ليُطلق عنان أمراضه النفسية والجنسية والفضائح، والتطاول على رموز الدولة، هذا الانخراط في عالم السياسة، هذا الاستغلال البشع للمنصب، ليس سوى تعبيرٍ عن بحثٍ محمومٍ عن منصةٍ لممارسة السيطرة والتأثير، وتفريغ الكبت النفسي بطرقٍ مدمرة، إنها صورةٌ حيةٌ للفساد المطلق، حيث تتحول السلطة من وسيلةٍ لخدمة المجتمع إلى غايةٍ في ذاتها، تُستخدم لإشباع الرغبات الشخصية، حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ الأخلاقية والمصلحة العامة، ولغبائه مع النساء في تخادمه مع الأجهزة الأمنية ، تم جلده، ليُكتفى بأمره الشخصي، ويُحوّل الحزب إلى وكر دعارةٍ وفساد، هنا، تتجلى بوضوح فلسفة الوجودية “السارترية”، حيث يُظهر هذا الكائن، على الرغم من ظروفه القاسية في الطفولة، أنه اختار طريق الفساد والانحطاط، إنه لم يستسلم لظروفه، بل استخدمها كمبررٍ لسلوكياته المدمرة، مُظهرًا غيابًا تامًا للمسؤولية الأخلاقية، وعدم القدرة على مواجهة “قلق الحرية” الذي يأتي مع الاختيار، بدلاً من البحث عن معنى لحياتها من خلال البناء والإيجابية، اختارت طريق التدمير والعدمية، مما أدى بها إلى عزلة تامة، حيث طردته زوجته واسكنه القبو، وبات “يتحرش بكل النساء”، في محاولة يائسة لإثبات وجوده.

نعم،لقد طردته زوجته من حياتها الخاصة، وأسكنته قبوًا لمعرفتها بمسلكياته المنحرفة:هذا العزل، هذا النبذ، لم يُثنه عن مواصلة مسيرته المدمرة، فقد تحرش بكل النساء، وحاول تطليق الكثير منهن، ودمر عوائل،هذا السلوك الذي يُشبه لعنةً لا تنتهي، يُظهر مدى عمق الجرح النفسي، ومدى قوة تأثير الماضي على الحاضر،إنه بحثٌ يائسٌ عن الاعتراف،عن الحب، عن الأمان،ولكن بطرقٍ مشوهةٍ ومدمرة، تُزيد من عزلته، وتُعمّق جراحه، وللمفارقة، فقد انتُخب بالصدفة، وبفضل “الكلبانية” التي يتميز بها،عضوًا بالبلدية، ليُحوّل القسم الذي يشغله إلى مقاولة، والإدارة إلى وكرٍ مُدرٍ للدخل والابتزاز،هذا التحول، هذا الاستغلال البشع للمنصب العام، يُظهر مدى قدرة هذا الكائن على التكيف مع الفساد، وتحويله إلى أداةٍ لتحقيق مصالحه الشخصية.

لم يكتفِ هذا الكائن بكل هذا، بل عاد إلى عمله الأولي كمخبرٍ للأجهزة الأمنية، ليبدأ بالابتزاز، مستخدمًا الصور الخاصة التي يُحضرها مع من بطينته، هذا التدهور الأخلاقي المستمر، هذا الغياب التام للضمير، يُظهر مدى عمق الهاوية التي سقط فيها، لكن الأسوأ من كل هذا، أنه شوه صورة الدولة، وهو يمارس القوادة لأحد أمراء دولة خليجية، بعرض فتيات، وجلب صورهن من التواصل الاجتماعي، هذا الفعل، الذي يُعد ذروة الانحطاط الأخلاقي والوطني، يُظهر مدى غياب الضمير والمسؤولية، ومدى قدرة هذا الكائن على تدمير كل ما هو جميل ونبيل، لقد أحس هذا المسؤول الخليجي بالامتعاض، خاصةً بعد علمه أنه مسؤولٌ سياسيٌ بهذه المدينة، مما يُظهر أن حتى من الأكثر سلطة في  الفساد لديهم حدودٌ أخلاقيةٌ لا يتجاوزونها،وقبل افتضاح أمره كان يُخبر هذا المسؤول الخليجي أنه يقوم بأعمالٍ خيرية، وصدف حدثٌ بهذا البلد “كارثة طبيعية”، وبدأ يُرسل هذا الخليجي أموالًا له عبر سيدةٍ كان يبتزها، إنها صورةٌ حيةٌ للانتهازية، والفساد، والقدرة على التلاعب بالآخرين، حتى من يُفترض أنهم في موقع السلطة.

يمكن تحليل هذه الشخصية من خلال أطروحات نيتشه حول ” إرادة القوة”، التي عانت من الضعف والعجز في طفولتها، تسعى الآن إلى تعويض ذلك من خلال ممارسة أقصى درجات القوة والسيطرة على الآخرين، هذا السعي المحموم للقوة لا يهدف إلى تحقيق أي مثل أعلى أو قيمة نبيلة، بل هو مجرد تعبير عن رغبة بدائية في الهيمنة والتفوق السلوكيات المدمرة، مثل تدمير العوائل وتشويه سمعة الدولة، يمكن أن تُفهم على أنها محاولات لتأكيد الذات وتجاوز الحدود الأخلاقية، في محاولة لخلق قيمها الخاصة، ولكن بطريقة سلبية ومدمرة ، بتعبير أخر إن استغلال الصور الخاصة للابتزاز و الكثير من المسلكيات المنحرفة ، وتشويه صورة الدولة أمام دولة خليجية، يمثل ذروة الانحطاط الأخلاقي والوطني، هذا السلوك يعكس غيابًا تامًا للضمير، وعدم وجود أي رادع داخلي، إنها شخصية “عدمية” في جوهرها، لا تؤمن بأي قيم أو مبادئ، وتستخدم كل الوسائل لتحقيق أهدافها الشخصية، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والمجتمع إنها تجسيد حي لمقولة “الغاية تبرر الوسيلة”، ولكن في أسوأ صورها.

في الختام، تقدم لنا هذه الشخصية دراسة حالة معقدة وغنية، تكشف عن التداعيات المدمرة للفقر والتخلي في الطفولة على التكوين النفسي للفرد، وكيف يمكن لهذه الجروح العميقة أن تتجلى في سلوكيات مدمرة على المستويين الشخصي والاجتماعي والسياسي، لقد رأينا كيف أن الحرمان العاطفي والمادي المبكر يمكن أن يغذي شعورًا عميقًا بالنقص وعدم الأمان، مما يدفع الفرد إلى البحث عن القوة والسيطرة والاعتراف بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين والمبادئ الأخلاقية.

من خلال عدسة علم النفس العميق، تبين لنا أن سلوكيات هذه الشخصية ليست مجرد أفعال عشوائية، بل هي تعبير عن صراعات داخلية عميقة، ومحاولات لا شعورية للتعويض عن الفراغ العاطفي الذي خلفه التخلي، إنها شخصية تعيش في ظل “الظل”، حيث تتجلى الدوافع المكبوتة والعدوانية في أبهى صورها، ومن منظور سياسي وفلسفي، تجسد هذه الشخصية الانحطاط الأخلاقي والفساد الذي يمكن أن ينجم عن غياب الضمير والمسؤولية، وتحول السلطة إلى أداة لتحقيق المصالح الشخصية البحتة.

إن قصة هذه الشخصية هي مرآة تعكس أعمق جروح النفس البشرية، وتداعياتها على المجتمع، إنها تذكير بأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى الرعاية الأبوية في الطفولة، تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الشخصية، كما أنها تحذير من أن تجاهل هذه الجروح يمكن أن يؤدي إلى ظهور شخصيات مدمرة، لا تكتفي بتدمير حياتها الخاصة، بل تتعداها لتشمل محيطها،إن فهم هذه الديناميكيات المعقدة هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعات أكثر صحة وعدالة .

العرائش: حين يختنق الرقمي بالورق..صرخة “الباتول” تكشف عتمة الفساد !بقلم : عبدالقادر العفسي

 



العرائش: حين يختنق الرقمي بالورق..صرخة “الباتول” تكشف عتمة الفساد !

 23 يونيو 2025

بقلم : عبدالقادر العفسي

في قلب العرائش، على بعد خطوات من وعود الحداثة الرقمية التي بشرت بها منصة الإلكترونية المخصصة بالإسكان والتعمير كنهاية لعهد وبداية لآخر، تبرز وثيقة ورقية، رخصة بناء تجزئة مؤرخة في يونيو 2022، كشاهد صامت على صدع وجودي في جسد الدولة والمجتمع، ليست مجرد مخالفة إدارية عابرة، بل هي تجلٍّ مادي لتلك المسافة الشاسعة بين الخطاب الرسمي المعلن، الذي يتبنى لغة الرقمنة والشفافية والحكامة الجيدة المستلهمة من أعلى مستويات السلطة، وبين الواقع المعاش في دهاليز الإدارة المحلية والإقليمية، حيث يبدو أن السلطة الممارسة الفعلية منطقها الخاص الذي قد يتجاوز، بل ويناقض، منطق القانون المركزي.

بهذه العبارات و في خطوة جريئة تتخطى حدود الصمت كشفت الناشطة السياسية و المدنية بالعرائش السيدة “الباتول السواط” النقاب في فيديو مدعم بالوثائق ، يفضح الفساد المستشري في التدبير و أروقة السلطة رغم إدراكها العميق لحالة التفكك والانهيار للمؤسسات في هذه الجغرافية ،اختارت أن ترفع صوت الحقيقية بأسلوبها القوي و المؤثر ، حيث تقدم ” الباتول” شهادة حية على واقع مرير متحدية التعتيم ، إن الوثيقة التي قدمتها ليس ورقة عادية بل صرخة مدوية تهز الضمائر خاصة و هي تقول التالي : إذا افترضنا أن التجزئة “اللكوس” في شطرها الأول و الثاني مساحتها 7 هكتار و أن نوعية البناء سفلي و طبقين فإن الواجب أدائه على أربع سنوات الأخيرة و بدون غرامات و الجزاءات التأخير عن الضريبة الحضرية على الأراضي غير المبنية هو : مليون و 400 ألف درهم ، و يضاف إلى ذلك الإقرار التجزيئي أو إنشاء التجزئة و الذي يقدر كلفته التجزيئي التقديري المحدد وفق القرار الجبائي و التي لا يمكن أن تقل عن أزيد من : مليون درهم ،هل تم تحصيلها ؟ وهل تم الالتزام بالقانون المغربي رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية، ثم أردفت : قبل أن اختم أخبركم عن فهلوة الفساد أنه بعدما تم تداول هذه الكارثة ،عمد جهابذة الفساد إلى وضع مؤخرا طلب في المنصة الإلكترونية باسم شركة جديدة في إطار الضحك على الذقون ، و سؤالي و هو للدولة و العالم : لماذا لم تمر هذه التجزئة في المنصة ؟ . انتهى


هنا ،حيث تكمن التناقضات الجوهرية في إصدار رخصة بناء التجزئة الورقية المرفقة في كون تاريخ تحريرها، “01 يونيو 2022” بالعرائش، يقع بعد مرور أكثر من عام ونصف على الموعد النهائي المفترض لتعميم المنصة الرقمية على الصعيد الوطني بنهاية سنة 2020، كما تؤكد ذلك النشرة الرسمية للربع الثالث من سنة 2020 الصادرة عن المديرية العامة للجماعات الترابية.

هذا يعني أن جميع طلبات تراخيص التعمير، بما في ذلك تجزئة الأراضي، كان يجب أن تتم معالجتها حصراً عبر المنصة الرقمية اعتباراً من بداية 2021 على أبعد تقدير، إن إصدار رخصة ورقية في يونيو 2022، موقعة من طرف رئيس المجلس الجماعي بالنيابة ومؤشر عليها مع الصمت من المؤسسة العاملية ، يمثل تجاوزاً صريحاً للإجراءات الرقمية الملزمة التي فرضتها وزارة الداخلية بهدف تحديث الإدارة، تعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد المحتمل في قطاع التعمير، ومما يزيد الأمر تعقيداً أن الوثائق تشير إلى تواريخ لقرارات لجان إقليمية (شتنبر 2021) وقرار جبائي (دجنبر 2021) تقع هي الأخرى بعد الموعد النهائي لتعميم المنصة، بل إن تاريخ تسجيل الطلب الأصلي بمكتب الضبط (27 يونيو 2022) يأتي لاحقاً لتاريخ إصدار الرخصة نفسها (1 يونيو 2022)، مما يثير تساؤلات إضافية حول تسلسل الإجراءات وصحتها، إن إصدار الرخصة بالشكل الورقي وفي هذا التاريخ المتأخر يشكل مخالفة واضحة للمساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها، ويتناقض مع التوجهات الرسمية نحو رقمنة الخدمات الإدارية المتعلقة بالتعمير،إن هذا الإجراء لا يمثل مجرد مخالفة إجرائية بسيطة، بل يكتسي أبعاداً قانونية وسياسية وإدارية عميقة تستدعي المساءلة على مختلف المستويات، فهو يشكل خرقاً مباشراً للدوريات والمراسيم الوزارية التي فرضت اللجوء الحصري للمنصة الرقمية ، ضارباً في الصميم مبدأ الشرعية وسيادة القانون الإداري، كما يقوض الأهداف الإستراتيجية الوطنية للرقمنة والحكامة، حيث تم إطلاق المنصة لتبسيط المساطر وتعزيز الشفافية وتضييق الخناق على الممارسات المشبوهة، والعودة للمساطر الورقية ينسف هذه الأهداف.

والأخطر من ذلك، أن اللجوء إلى المسطرة الورقية بدل المنصة الرقمية الشفافة والقابلة للتتبع يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول دوافع هذا الإجراء، ويثير الشكوك حول وجود محاباة أو استغلال للنفوذ، خاصة وأن غياب الشفافية الرقمية يغذي هذه الشكوك، وتقع المسؤولية المباشرة على عاتق السلطة الإدارية المانحة للترخيص الرئيس و نائبه الموقع ورئيس قسم التعمير بالجماعة، لكن صمت عمالة إقليم العرائش و الصمت العاملي يطرح تساؤلات جدية حول دور مصالح العمالة في الرقابة الإدارية والسهر على تطبيق القانون، بما في ذلك إلزامية المنصة الرقمية، مما قد يرقى إلى مستوى المسؤولية الإدارية والسياسية إذا ثبت التقصير أو التواطؤ؟ إن هذه القضية ليست مجرد خطأ إداري، بل مؤشر على خلل محتمل في منظومة الحكامة المحلية والإقليمية، وتحدٍ للجهود الوطنية الرامية إلى تحديث الإدارة ومكافحة الفساد، وتتطلب تحقيقاً دقيقاً لتحديد كافة المسؤوليات على جميع المستويات، بما فيها المسؤولية الإقليمية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه التجاوزات.

إن واقعة إصدار هذه الرخصة الورقية في العرائش سنة 2022، في تحدٍ صارخ للإلزامية القانونية والتنظيمية للمنصة الرقمية الموحدة، لا تقف عند حدود الخرق الإداري، بل تتجاوز ذلك لتشكل تناقضاً مباشراً وجلياً مع التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئت تؤكد على ضرورة تحديث الإدارة، ترسيخ الحكامة الجيدة، ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة كافة أشكال الفساد واستغلال النفوذ، لقد أكد جلالة الملك “محمد السادس” في مناسبات عديدة، على الأهمية القصوى لإصلاح الإدارة وتبسيط المساطر واعتماد الرقمنة كرافعة أساسية للتنمية. ففي الرسالة السامية الموجهة إلى المشاركين في الندوة الوطنية حول “دعم الأخلاقيات بالمرفق العام” شدد جلالته على أن “هدف الإجراءات العمومیة التسهیل والتیسیر ولیس التعقید والتعسیر وھي منھاج لترسیخ روح الاستقامة والوضوح والشفافية والتعجيل في إيصال النفع للناس وتحقیق العقلنة”، مؤكداً على ضرورة “تبسيط الإجراءات وتحيين النصوص الإدارية وتحديث وسائل التدبیر والعمل على التوفیق المستمر بین المقتضيات الإدارية وروح العصر”.

إن اللجوء إلى مسطرة ورقية متجاوزة، بدل المنصة الرقمية التي تضمن السرعة والشفافية والتتبع، يضرب عرض الحائط بهذه التوجيهات السامية ويهدر الجهود الوطنية المبذولة لتحديث المرفق العام، كما أن هذه الممارسة تتنافى مع المفهوم الجديد للسلطة الذي أرساه جلالة الملك، والذي يربط ممارسة السلطة بخدمة المواطن وصيانة حقوقه ومصالحه في إطار من الشفافية والمساءلة، فالعودة إلى الأساليب التقليدية غير الشفافة في تدبير ملفات حساسة كالتعمير، تثير الشكوك حول مدى الالتزام بمبادئ النزاهة وتكافؤ الفرص، وتفتح الباب أمام احتمالات استغلال المؤسسات لتحقيق منافع خاصة أو للثراء غير المشروع، وهو ما حذر منه جلالته مراراً وتكراراً.

إن التغاضي عن تطبيق الإجراءات الرقمية الملزمة لا يمكن تفسيره إلا كاستهتار بالتوجهات الملكية الواضحة وبالمصلحة العامة، فالحكامة الجيدة كما أكد جلالة الملك، هي “عماد نجاح أي إصلاح”، ولا يمكن تحقيقها في ظل استمرار مثل هذه التجاوزات التي تقوض أسس دولة الحق والقانون وتضعف ثقة المواطنين في مؤسساتهم، إن قضية الرخصة الورقية بالعرائش تمثل نموذجاً صارخاً للمقاومة التي تواجهها الإصلاحات الهيكلية، وهي بذلك لا تمس فقط بمصداقية الإدارة المحلية والإقليمية، بل تتناقض بشكل مباشر مع الرؤية الملكية لبناء مغرب حديث، شفاف، ومسؤول، مما يستدعي وقفة حازمة وتطبيقاً صارماً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على كافة المستويات، وفتح تحقيق معمق وشامل لتحديد جميع المتورطين وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة.

و من جهة هنا، لا يعود السؤال عن قانونية الرخصة بحد ذاتها، بل عن طبيعة السلطة التي أنتجتها في هذا الزمن الرقمي المفترض، هل هي سلطة القانون الموحد التي تتحدث باسم الدولة المركزية عبر منصاتها الرقمية، أم هي سلطة أخرى، أكثر محلية وتجذراً، تستمد شرعيتها من قدرتها على تسيير الأمور “بالطريقة المعتادة”، حتى لو كانت تلك الطريقة تتعارض مع التوجهات الكبرى؟ إنها ليست مجرد ورقة، بل مرآة تعكس لنا صورة الدولة ليس ككيان متجانس، بل كفضاء تتصارع فيه إرادات ومصالح ومنطق مختلف، صراع بين رغبة التحديث ومقاومة التغيير، بين شفافية الكود الرقمي وغموض التوقيع اليدوي.

هذه الواقعة تدفعنا للتساؤل، على طريقة “فوكو” عن ميكروفيزياء السلطة وكيفية اشتغالها بعيداً عن الأضواء، فالمنصة الرقمية بكل ما تحمله من وعود بالرقابة والشفافية وتوحيد المساطر، تبدو كـ”بانوبتيكون” حديث يهدف إلى جعل كل شيء مرئياً وقابلاً للتتبع، وبالتالي خاضعاً للمساءلة، لكن القدرة على إصدار رخصة ورقية في هذا السياق، بتوقيعات رسمية وختوم إدارية، توحي بأن آليات السلطة التقليدية، القائمة على العلاقات الشخصية والتقديرات الخاصة وربما المصالح الضيقة، لا تزال قادرة على العمل في الظل، على التحايل على عين الرقيب الرقمي، أو ربما على إقناعه بغض الطرف ! .

إنها ليست مجرد عودة للورق، بل هي ربما تأكيد على أن السلطة الحقيقية لا تكمن فقط في النص القانوني أو في الواجهة الرقمية، بل في القدرة على تفسير النص وتطبيقه، أو عدم تطبيقه، وفقاً لحسابات أخرى، هذا يضعنا أمام مفارقة مؤلمة: كلما تقدمت الدولة في بناء واجهات الحداثة والشفافية، كلما أصبحت الممارسات التي تتجاوز هذه الواجهات أكثر دلالة وخطورة، لأنها تكشف عن هشاشة المشروع الحداثي نفسه وعن استمرار منطق “الدولة العميقة” بممارساتها الموازية،وماذا عن المواطن في خضم هذا الصراع بين الخطاب والواقع، بين الرقمي والورقي؟ إن الفضاء العمومي، الذي يفترض أن يكون مجالاً للنقاش العقلاني والشفافية كما نظر له “هابرماس” يصبح هنا فضاءً للتشويش والريبة، عندما يرى المواطن أن الإدارة قادرة على تجاوز مساطرها المعلنة، وأن هناك من يستطيع الحصول على تراخيص بطرق تبدو استثنائية وغير متاحة للجميع، تتآكل ثقته في المؤسسات وفي مبدأ المساواة أمام القانون، لا يعود الأمر مجرد شك في نزاهة موظف أو مسؤول، بل شك في بنية الدولة نفسها وفي جدية التزاماتها.

بالتالي تصبح الرقمنة مجرد ديكور، والحكامة مجرد شعار، والمواطنة مجرد وهم في مواجهة واقع يبدو فيه أن “القواعد” ليست للجميع، وأن هناك دائماً “استثناءات” لمن يملك مفاتيح السلطة الفعلية، إن هذه الرخصة الورقية، في عمقها الفلسفي والسياسي، ليست مجرد وثيقة إدارية، بل هي سؤال وجودي موجه للدولة المغربية الحديثة: أي دولة نريد؟ دولة القانون والمؤسسات والشفافية الرقمية التي تتحدث عنها الخطابات الرسمية والتوجيهات الملكية، أم دولة الممارسات الموازية والاستثناءات والولاءات الضيقة التي تكشف عنها مثل هذه الوقائع الصادمة؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في فتح تحقيق إداري حول رخصة بعينها، بل في مواجهة شجاعة مع هذا الصدع العميق بين ما نقول إننا عليه، وما نحن عليه فعلاً في ممارساتنا اليومية، وهي مواجهة تتطلب ليس فقط تطبيق القانون، بل إعادة بناء الثقة المهدورة وتأكيد سيادة الدولة الواحدة الموحدة، دولة الحق والقانون للجميع، وليس دولة الورق لمن استطاع إليه سبيلاً ! .


فضيحة "ميراج" والشرفة الأطلسية: عندما يصبح الفساد "فنًا" ليليًا!

 

 

فضيحة "ميراج" والشرفة الأطلسية: عندما يصبح الفساد "فنًا" ليليًا!
 
في ليلة غاب فيها القمر، أو ربما كان القمر نفسه قد آثر الاختباء خجلاً من هول ما يرى، قررت شركة "ترقيع" الشرفة الأطلسية أن تمارس هوايتها المفضلة في "الترقيع"، ولكن هذه المرة لم يكن الأمر مجرد سد ثغرات في رصيف، بل كان "ترقيعًا" لضمير جماعي، وتزفيتا لمشروع "ميراج" (مكان تم الاستلاء عليه بطرق شيطانية) الذي يبدو أنه استولى على الأضواء، وعلى ما يبدو، على ممتلكات الجماعة أيضًا.
 
المشهد كان أشبه بفيلم هوليودي من الدرجة الثالثة، حيث تتسلل الشركة تحت جنح الظلام، تحديدًا في الواحدة بعد منتصف ليل الخامس والعشرين من يونيو 2025، لتزفيت مشروع "خاي أحمد"، صاحب المطعم الشهير، الذي يبدو أن شهيته لا تقتصر على الأطباق اللذيذة (حسب صفقات التغدية المهولة و نفخ الفواتر) بل تمتد لتشمل "النخييل المجاني" من أملاك الجماعة، بفضل كرم نسيبه رئيس المجلس البلدي المعين من عامل الإقليم. 
 
يا له من كرم حاتمي، ولكن هذه المرة على حساب المال العام!لم يكد الفجر يشقشق، حتى كانت رائحة الفساد قد فاحت، ووصلت إلى أنوف النشطاء، الذين لا ينامون على ضيم، ولا يرضون بالظلم ، في عشية اليوم نفسه، تحرك هؤلاء الأبطال المجهولون، أو ربما المعروفون جدا لدى الفاسدين، لمراقبة الوضع والتحقق من الشركة. وما هي إلا لحظات حتى تأكدوا أن هذا ليس مجرد خرق عابر، بل هو خرق مستمر، ومسلسل طويل من الفساد الذي تمارسه هذه الجماعة ورئيسها الفاسد، الذي يبدو أنه يرى في منصبه فرصة ذهبية لتوزيع "النخييل المجاني" على الأقارب والأحباب.
ولكن، وكما يقول المثل، "لكل جواد كبوة"، ولكل فاسد نشطاء بالمرصاد، وفي غمرة انشغال النشطاء بتأمل المكان وتوثيق الفضيحة، ظهر "بطل" القصة، المدعو أحمد الأكرمي، المعروف بـ "خاي أحمد"، ومعه زوجته الجديدة، التي يبدو أنها كانت تستعد لمعركة لا لزيارة تفقدية ، إذ كانت تحمل عصا، ومعها "عصابة" مكونة من أربعة أفراد.
المشهد كان يوحي بأننا أمام فيلم أكشن، حيث كان سيتم الهجوم على المواطنين و حيث تم احتجازهم و قاموا بأدوار الدولة و القانون ! لولا تدخل الشرطة في اللحظة المناسبة. الشرطة، التي يبدو أنها وصلت في الوقت المناسب لتفضح صاحب المشروع، وتكشف المستور.
ولكن، هل توقفت الأمور عند هذا الحد؟ بالطبع لا! ففي عالم الفساد، لا شيء يتوقف عند حد معين ، تهجمت الزوجة الجديدة على النشطاء كأنها توصل رسالة ابناء الزوجة الاولى انها احق بمراث زوجها الضعيف ! ، وادعت أنها حامل، وأنها أسقطت جنينها بسببهم.
 
يا له من "غباء"، أو ربما "ذكاء" من نوع خاص، فكيف يمكن لامرأة أن تدعي إسقاط جنينها، بينما "جريدة السلطة العرائش نيوز" كانت قد احتفلت مؤخرًا بمولود لها؟ يبدو أن ذاكرة الفاسدين قصيرة، أو أنهم يعتقدون أن ذاكرة الناس أقصر!
في قسم الشرطة، وبعد أن ضاق الخناق على صاحب المشروع، وبدأ رئيس المجلس البلدي يحوم حول دائرة الشرطة كالفراشة حول النار، خوفًا من أن تطاله شرارة هذه الفضيحة، حدث ما لم يكن في الحسبان، خرجت زوجة صاحب المشروع، لا لتدافع عنه، بل لتسب فيه وتنعته بـ "الحمار"، لأنه "تنازل" عن الفضيحة.
يا لها من دراما عائلية، ويا له من "تنازل" غريب! يبدو أن الفساد له قواعده الخاصة، حتى داخل الأسرة الواحدة، فبدلاً من التضامن في وجه "الظلم"، تتحول الأمور إلى حرب كلامية، تكشف المزيد من المستور، وتؤكد أن الفساد لا يفرق بين قريب وبعيد، بل يلتهم الجميع، ولم تتوقف الردود عند جدران قسم الشرطة، بل امتدت لتغزو فضاء التواصل الاجتماعي، حيث تحول الأمر إلى ساحة معركة افتراضية.
وهنا، يظهر "بطل" آخر من أبطال هذه الملحمة، وهو أخ رئيس المجلس البلدي، المدعو عبد "اللطيف الصبيحي" الذي هو أيضًا أخ زوجة أحمد الأكرمي الأولى المتوفاة (رحمها الله) ، هذا "البطل"، بدلاً من أن يهدئ الأمور، أو يلتزم الصمت، قرر أن يصب الزيت على النار، ويسب النشطاء والمجتمع بكلام نابٍ وساقط، كدليل قاطع على ما يمثله هو ومن يدافع عنهم.
يبدو أن الفساد لا يورث فقط المناصب والنفوذ، بل يورث أيضًا "اللسان السليط"، و"الأخلاق الرفيعة" التي لا تليق إلا بمن يمثلون هذا المستنقع الآسن.
وفي الختام، وبعد هذه "الملحمة" الكوميدية السوداء، لا يسعنا إلا أن نقف إجلالاً لقوة الفساد ونفوذه، فبينما يتسابق الشرفاء لكشف الحقائق، يتسابق الفاسدون لتزفيت المشاريع خلسة، وتوزيع "التخييل المجاني"، ومهاجمة النشطاء، وادعاء الحمل الكاذب، وحتى سب بعضهم البعض في أقسام الشرطة ، إنها "فنون" الفساد، التي تتطور وتتجدد، لتثبت لنا أن "المال السايب يعلم السرقة"، وأن "الكرسي" إذا لم يكن له صاحب، يصبح مطمعًا لكل من هب ودب. ولكن، ورغم كل هذا، يبقى الأمل في أن يأتي يوم، يختفي فيه "ميراج" الفساد، وتشرق شمس العدالة على شرفاتنا الأطلسية، دون الحاجة إلى "ترقيع" أو تزفيت تحت جنح الظلام.
فهل من مستمع؟ أم أننا سنظل نرقص على أنغام "فضيحة" جديدة كل يوم؟
 
 

عبد الله الميوري الوجه الكريه : من قاع الفقر إلى قمة الفساد


عبد الله الميوري الوجه الكريه : من قاع الفقر إلى قمة الفساد
 
في أزقة حي المدينة القديمة بالعرائش، حيث تتشابك الحكايات مع رائحة البحر والفقر، نشأ عبد الله الميوري , لم تكن طفولته سوى مرآة تعكس قسوة الحياة وشظف العيش.
كان الفقر رفيقه الدائم، يطارده في كل زاوية، ويحرمه من أبسط مقومات الحياة الكريمة ، كانت دعاوى عدم دفع الكراء تتراكم، لتصبح وصمة عار تلاحقه وتزيد من مرارة أيامه، لم يكن عبد الله مجرد طفل فقير، بل كان يمثل شريحة واسعة من المجتمع، تكافح من أجل البقاء في ظل ظروف اقتصادية قاسية، هذه النشأة القاسية، التي طبعت روحه بمرارة الحرمان، كانت الشرارة الأولى التي أشعلت فيه طموحًا جامحًا، طموحًا لم يكن يدرك حينها أنه سيقوده إلى دروب مظلمة.
كبر عبد الله، وتزوج، ووجد لنفسه موطئ قدم في قسم التعمير بجماعة العرائش ، كان هذا المنصب، الذي بدا في البداية وكأنه طوق نجاة من براثن الفقر، هو البوابة التي عبر منها إلى عالم آخر، عالم الفساد والتواطؤات ، لم يكن التحول مفاجئًا، بل كان تدريجيًا، خطوة بخطوة، تآكلت مبادئه وقيمه، ليحل محلها جشع لا حدود له، لقد تعلم عبد الله كيف يستغل منصبه، وكيف يحول القوانين واللوائح إلى أدوات لتحقيق مكاسب شخصية ، كانت ملفات البناء، التي كان من المفترض أن تكون وسيلة لتنظيم العمران وتطوير المدينة، هي مفتاح ثروته الجديدة.
 
كان يتقن فن التلاعب، ويجيد لعبة المصالح، ليصبح في ليلة وضحاها، من موظف يعاني من دعاوى قضائية بسبب الكراء، إلى ملياردير يمتلك أسطولًا من السيارات الفارهة، أقلها يناهز مئة الف دولار.
لقد تجاوز عبد الله الميوري حدود المنطق في جمعه للثروة، فبينما كان راتبه الشهري، كأي موظف حكومي، لا يتجاوز خمسة آلاف من الدراهم، فإن ثروته تقدر بمئات الملايين، إن لم تكن المليارات.
كيف حقق هذا الموظف الفاسد هذه الثروة الهائلة؟ الإجابة تكمن في شبكة معقدة من الفساد والتواطؤات التي نسجها بعناية فائقة ،كان يستغل منصبه كرئيس لقسم التعمير، ليصدر تراخيص بناء مخالفة للقوانين، ويتغاضى عن التجاوزات، ويغض الطرف عن المخالفات، مقابل رشاوى ضخمة، كان يتقاضى عمولات على كل ملف بناء، وعلى كل رخصة و التجزئات ، وعلى كل تجاوز يتم التستر عليه، لم يكن يعمل بمفرده، بل كان جزءًا من منظومة فساد متكاملة، تضم متواطئين من داخل الإدارة وخارجها.
كان يبيع الضمائر، ويشتري الذمم، ليحول كل شبر من تراب العرائش إلى مصدر للثراء غير المشروع، لقد أصبح اسمه مرادفًا للفساد، وصار حديث المجالس، ولكن دون أن تطاله يد العدالة، فالدولة في العرائش، كما يعلم الكل ، لا تتابع الفاسدين في القضاء بسبب تورط جل موظفيها.
 
في محاولة يائسة للهروب من المساءلة، أو ربما لتأمين مستقبله ومستقبل عائلته، قام عبد الله الميوري بنقل جميع ممتلكاته إلى زوجته: شقق فاخرة في إسبانيا، وأخرى في طنجة والعرائش، بالإضافة إلى حسابات بنكية ضخمة.
 
زوجته، التي كانت تعمل في تهريب البشر، ستكون هي الضربة القاضية التي ستقضي على ما تبقى من استقراره، لقد استولت الزوجة على كل الأموال، لتتركه وحيدًا يواجه مصيره المجهول. يعيش عبد الله الميوري الآن حالة من الرعب اليومي، ليس بسبب الدولة التي لا تلاحق الفاسدين، بل بسبب الخوف من المجهول، ومن المصير الذي ينتظره. لقد أصبح سجين ثروته غير المشروعة، يعيش في قلق دائم، يخشى أن يزيد من افتضاح أمره في أي لحظةعند حلاقة الدولة ، إنها نهاية مأساوية لموظف باع ضميره من أجل المال، ونسي أن للفساد ثمنًا باهظًا، يدفع غالبًا من راحة البال والضمير.
في الختام، قصة عبد الله الميوري ليست مجرد حكاية عن موظف فاسد، بل هي مرآة تعكس واقعًا مريرًا، حيث يتغلغل الفساد في مفاصل الدولة، ويصبح الثراء غير المشروع هو القاعدة لا الاستثناء، إنها دعوة للتفكير في الأسباب التي تدفع أفرادًا مثل عبد الله إلى هذا المنحدر، وفي المنظومة التي تسمح لهم بالاستمرار في غيهم دون حسيب أو رقيب. 
 
ففي النهاية، لا يقتصر ضحايا الفساد على الأفراد الذين تنهب أموالهم، بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره، الذي يفقد ثقته في مؤسساته، ويدفع ثمنًا باهظًا من تدهور الخدمات وتفشي الظلم، ويبقى السؤال معلقًا: متى ستنتصر العدالة على الفساد، ومتى سيعود "الميوريون" إلى حجمهم الطبيعي، بعيدًا عن أضواء الثراء الحرام؟
و ستتوالى ايام فضح هذا المجرم ! 
 

فضيحة "تجزئة اللكوس" بالعرائش: الحقيقة الكاملة وراء خروقات القانون والتلاعب بالمال العام!

 


فضيحة "تجزئة اللكوس" بالعرائش: الحقيقة الكاملة وراء خروقات القانون والتلاعب بالمال العام!

هل أنت مستعد لاكتشاف تفاصيل صادمة تكشف عن خروقات سافرة للقانون وتلاعبات خطيرة بالمال العام في "تجزئة اللكوس" بمدينة العرائش؟
شاهد الفيديو الآن لتتعرف على:
_ الأدلة الدامغة التي تفضح هذه التجاوزات.
_ الجهات المتورطة وكيف استغلت نفوذها.
_ الآثار المدمرة لهذه الفضيحة على المال العام ومستقبل المدينة.
هذه ليست مجرد قضية عادية، إنها دعوة للمحاسبة وكشف الحقائق!
لا تفوت الفرصة، اضغط هنا وشاهد الفيديو كاملاً:
جزئة اللكوس" بالعرائش: الحقيقة الكاملة وراء خروقات القانون والتلاعب بالمال العام!

 

 

انكسار المرآة: إيران بين صدى الزئير وواقع الانهياربقلم : عبدالقادر العفسي

 


 

انكسار المرآة: إيران بين صدى الزئير وواقع الانهيار

 14 يونيو 2025

بقلم : عبدالقادر العفسي


في مسرح الوجود الجيوسياسي، حيث تتراقص الأمم على حبال القدر، وتتصارع الهويات في غبار التاريخ، تبرز إيران، لا ككيان سياسي فحسب، بل كظاهرة فلسفية تستدعي التأمل العميق، وربما السخرية المريرة، فمنذ أن أطلقت صرخاتها الثورية، وهي تتغنى بالصمود والمقاومة، وتتوعد الأعداء بـ”الوعد الصادق”، الذي ما لبث أن تحول إلى “صدى باهت” في فضاء الواقع العسكري.

 لقد كانت إيران، في مخيلة قادتها، أسداً زئاراً، يرتعد له فرائس المنطقة، لكن الواقع، هذا الساحر الماكر، كشف عن أسد من ورق، يزأر في الفراغ، بينما تنهش أطرافه خفافيش الليل ببراعة جراحية، تأملوا معي هذا المشهد العبثي الذي تجلى في “هجوم الأسد الصاعد” دولة تتدرب على حرب لم تحدث بعد، وتجري مناورات “اقتدار” لتتنبأ بهجوم لم يقع، ثم تفاجأ بأن الهجوم قد وقع بالفعل، وبشكل لم تتوقعه حتى في أحلامها الكابوسية، لقد كانت إيران، في غفلتها الاستراتيجية، كالملاكم الذي يتدرب على لكمات وهمية، بينما يتلقى ضربات حقيقية على رأسه، فيسقط صريعاً قبل أن يدرك أن المباراة قد بدأت.

 إنها كوميديا سوداء، حيث يتحول التهديد إلى نكتة، والوعيد إلى سخرية، والقوة إلى ضعف مكشوف، فالصياح الأيديولوجي، الذي طالما شكل جوهر الخطاب الإيراني، والذي يهدف إلى ترسيخ الهوية وتعبئة الجماهير، قد اصطدم بجدار الواقع الصلب، فبينما كان قائد الحرس الثوري يزأر بالوعيد قبل ساعات من الهجوم، كان القدر يجهز له نهاية مفارقة، ليتحول هو نفسه إلى عبرة للتاريخ، اغتيل في بيته، وكأن القدر أراد أن يسخر من غروره، ويكشف عن الفارق الشاسع بين بلاغة الخطاب ووحشية الفعل ، أما مفهوم “الإرهاب”، الذي طالما وُصمت به إيران ( دعم المليشيات في العراق و نظام بشار البائد و حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن و دعمها للذراع العسكري الجزائري إرهابي البوليساريو و الساحل الإفريقي …)، فقد اكتسب أبعاداً جديدة في ضوء هذه المواجهة.

فإذا كانت إيران تُتهم بدعم جماعات تُصنف كإرهابية، فإن طبيعة الهجوم الإسرائيلي، الذي لم يقتصر على الأهداف العسكرية بل امتد ليشمل اغتيالات دقيقة لكبار القادة والعلماء، واستهداف منازلهم وأسرهم، يثير تساؤلات فلسفية حول حدود “إرهاب الدولة”، إن استهداف العلماء النوويين بفرق اغتيالات اخترقت الأراضي الإيرانية قبل أسابيع، واستهداف منازل القادة العسكريين، يشير إلى مستوى غير مسبوق من الاختراق الاستخباراتي، ويفضح هشاشة الأمن الإيراني، هذا الاختراق العميق، الذي جعل طهران تبدو كعش دبابير اخترقه النحل، لا بل الفراشات، يضع مفهوم “الدفاع الأمامي” و”محور المقاومة و” في سياق جديد، حيث يصبح الفاعل نفسه عرضة لضربات وجودية لا يمكن التنبؤ بها أو ردعها بتهديدات جوفاء، فالموساد الإسرائيلي، هذا الشبح الذي لا ينام، تجول في أراضيها كأنه في نزهة ربيعية، يغتال ويُدمر، وكأنها لعبة فيديو، حيث النقاط تُجمع بقتل الأبطال الخارقين ، والبرنامج النووي، هذا الحلم الذي طالما راود قادة إيران كشكل من أشكال “التأكيد الوجودي” في نظام دولي فوضوي، قد تحول إلى كابوس.

 فالمفاعلات التي كانت تعد باليورانيوم المخصب، تحولت إلى ركام، والعلماء الذين كانوا يعملون على صنع القنبلة، تحولوا إلى أشلاء، لقد كانت إيران، في سعيها لامتلاك القوة النووية، كمن يبني قصراً من الرمال على شاطئ عاصف، فينهار القصر مع أول موجة، ويتبخر الحلم مع أول ضربة، فالضربات لم تقتصر على مفاعل “نطنز”، بل امتدت لتشمل مفاعل “برشين” المسؤول عن تطوير الرؤوس الحربية، ومفاعل “خنداب” لإنتاج البلوتونيوم، ومختبرات “خروم أباد”، وحتى مفاعل “فوردو” المحصن داخل كهف جبلي، حيث تم تعطيل مداخله ومخارجه ومنافذ التهوية، هذا الاستهداف الشامل يهدف إلى تدمير أو تعطيل كل مكونات البرنامج النووي الإيراني، مما يضع إيران أمام تحدٍ وجودي حقيقي يتعلق بقدرتها على استئناف هذا البرنامج، ويجعل من سعيها نحو “توازن الرعب” مجرد سراب.

وفي خضم هذا العبث، تبرز أمريكا، هذا العملاق الذي يتظاهر بالحياد، بينما يوجه الضربات من خلف الستار، لقد كانت أمريكا، في هذا المشهد، كالمخرج الذي يدير مسرحية عبثية، يوزع الأدوار، ويحرك الدمى، ويشاهد الصراع من بعيد، بينما يضمن أن مصالحه محفوظة، وأن مضيق “هرمز” مفتوح، إنها سخرية القدر، حيث يصبح الضحية أداة، والجلاد متفرجاً، والصراع مجرد لعبة شطرنج، فموقفها بعدم المشاركة المباشرة، مع علمها بتفاصيل الهجوم، يؤكد على هذه الجدلية المعقدة لموازين “القوى”، حيث تسعى واشنطن لتحقيق أهدافها دون الانخراط المباشر، تاركةً إسرائيل لتنفيذ “العمل القذر” ، بينما تضمن استمرار قنوات التفاوض، وتجنب أي تصعيد قد يهدد تدفق النفط العالمي ، لقد كشف “هجوم الأسد الصاعد” عن عمق التناقض بين الضحية” و”الفاعل” في الهوية الإيرانية، فالفيديوهات التي خرجت تصور إيران كـ”بالونة فارغة” تنهار عند المواجهة الحقيقية، مع فشل دفاعاتها الجوية و الاستخباراتية الذريع، والاختراق غير الطبيعي للموساد الإسرائيلي لأراضيها. 

هذا التصوير يضع إيران في موقف الضحية التي تعرضت لضربة قاسية كشفت عن ضعفها، لكنه في الوقت نفسه يبرزها كفاعل غير قادر على حماية نفسه، مما يتناقض مع خطابها القوي السابق، فالقيادات التي لم تُقتل اختبأت تحت الأرض، والمرشد الأعلى نفسه، الذي بقي على قيد الحياة، يُنظر إلى بقائه كقرار إسرائيلي أمريكي لضمان موافقته على شروط التفاوض، وكأنه دمية في مسرحية أكبر، إن هذا التحول الجذري في مكانة إيران الإقليمية، يفرض عليها إعادة تعريف هويتها ومكانتها في المنطقة، ويجعلها مجبرة على القبول بشروط التفاوض الأمريكية والإسرائيلية والخليجية، حتى لو ردت بضربات أخرى رمزية لحفظ ماء الوجه مع  توابعها و مليشياتها الإقليمية و حاضنتها الشعبية  .

في النهاية، تظل إيران، هذه الظاهرة المنحرفة بالشرق الأوسط ، سؤالاً بلا إجابة قاطعة، هل هي حقاً “دولة صياح وإرهاب”(بالتأكيد)، أم أنها ضحية لمؤامرات خارجية، أم أنها مجرد بالونة فارغة، تنتظر أن تنفجر؟ ربما هي كل ذلك و هي ضرورة امريكية واسرائيلية لحلب المنطقة ، وربما لا شيء من ذلك، ففي مسرح الوجود، حيث تتراقص الأمم على حبال القدر، وتتصارع الهويات في غبار التاريخ، تظل الحقيقة غامضة، والواقع مراوغاً، والسخرية السوداء هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تعبر عن هذا العبث الوجودي، إن ما حدث لإيران ليس مجرد هزيمة عسكرية، بل هو تحدٍ وجودي يفرض عليها إعادة تعريف ذاتها في عالم متغير، والبحث عن سبل جديدة لتأكيد مكانتها في ظل واقع إقليمي ودولي جديد، حيث انكسرت المرآة التي كانت تعكس صورتها الذاتية، وبات عليها أن تواجه حقيقة ضعفها في مواجهة قوة لم تكن لتتصورها .

سلطة الفساد: من بكاء البرلماني إلى صفقة النظافة ، انها (إن) عقدة المنشار!بقلم : عبدالقادر العفسي

 


 

سلطة الفساد: من بكاء البرلماني إلى صفقة النظافة ، انها (إن) عقدة المنشار!

 11 يونيو 2025


بقلم : عبدالقادر العفسي 


في سياقٍ تتشابك فيه خيوط القوة والمعرفة والخطاب، وتتداخل فيه آليات الضبط والإنتاج، تتجلى ظواهر الفساد والاختلاس لا كمجرد انحرافات فردية، بل كبنى عميقة تتغلغل في نسيج الدولة والمجتمع، إنّ فهم هذه الظواهر يتطلب تجاوز السرديات السطحية التي تختزلها في أفعالٍ معزولة، والانتقال إلى تحليلٍ بنيويٍّ يكشف عن شبكات القوة التي تنتجها وتستفيد منها.

 إنّ العلاقة الجدلية بين القوة والمعرفة تُظهر كيف أن المعرفة ليست حيادية، بل هي أداة تُستخدم للسيطرة الاجتماعية، وتتشكل من خلالها هويات الأفراد عبر الخطابات والمعايير، فالقوة، في هذا المنظور، ليست كيانًا قمعيًا فحسب، بل هي شبكة منتجة تتخلل الجسد الاجتماعي بأكمله، وتُنتج الحقائق وتتحكم فيها، إنّ ما يُقال، وكيف يُقال، ومن يُسمح له بالقول، كلها آليات تُساهم في ترسيخ أشكال معينة من القوة وتبريرها،إنّ تطبيق التحليل النقدي على الواقع يُظهر كيف تتجلى أشكال الفساد في بنى اجتماعية واقتصادية معقدة. 

فما يبدو على السطح كـ’بكاء برلماني’ أو ‘صفقة نظافة و قضية ستة مليون درهم ‘، ليس سوى تجلياتٍ لآلياتٍ أعمق تعمل على إعادة إنتاج القوة وتوزيع الثروة بطرقٍ غير عادلة، وتُخفي وراءها صراعاتٍ على النفوذ والمصالح، إنّ هذه الظواهر، في جوهرها، هي تعبير عن ‘عقدة المنشار’ التي تُشير إلى تعقيد وتشابك المصالح التي يصعب فكها، حيث تتداخل القوة السياسية مع القوة الاقتصادية مع السلطة، وتُصبح المعرفة أداةً لتبرير هذا التداخل أو إخفائه.

 إنّ المقال سيتناول هذه الظواهر من منظورٍ تفكيكيٍّ تحليليٍّ، للكشف عن البنى الخفية التي تُشكل هذه الأحداث وتُعيد إنتاجها، في مشهدٍ دراميٍّ يختزل الكثير من تناقضات القوة وتجلياتها، يتجسد ‘بكاء برلماني’ كفعلٍ لا يمكن اختزاله في مجرد انفعالٍ عاطفيٍّ، إنّه فعل خطابيٌّ بامتياز، يُمارس داخل فضاء سياسيٍ مُحدد، ويُنتج معاني ودلالاتٍ تتجاوز ظاهرها، فالدموع هنا ليست تعبيرًا عن براءةٍ مُطلقة، بل قد تكون أداةً في لعبة القوة، محاولةً لإعادة تموضع الذات داخل شبكة العلاقات القائمة، إنّ ادعاء ‘عدم فهم الصفقة باللغة الفرنسية’ ليس مجرد عذرٍ لغويٍّ، بل هو إشارةٌ إلى بنيةٍ معرفيةٍ تُقصي وتُهمّش، وتُحوّل اللغة إلى حاجزٍ يُبرر الإخفاقات ويُلقي باللوم على الآخر! 

إنّ هذه “المعرفة” – أو غيابها – تُصبح جزءًا من آليات القوة التي تُحدد من يمتلك الحق في الفهم، ومن يُعفى من المسؤولية، وفي هذا السياق، فإنّ اتهام البرلماني لممثل الحكومة ورئيس الدولة بالموافقة على الصفقة يُعيدنا إلى مفهوم القوة كشبكةٍ لا مركزية، حيث تتوزع المسؤولية وتتداخل الأدوار، وتُصبح عملية تحديد الفاعل الحقيقي معقدةً ومتشابكة، إنّ القوة هنا لا تُمارس من مركزٍ واحد، بل تتخلل العلاقات وتُعيد تشكيلها، وتُصبح ‘الموافقة’ على الصفقة فعلًا يُساهم في ترسيخ هذه الشبكة وتوزيع أدوارها، حتى وإن كانت هذه الأدوار تُفضي إلى الفساد والاختلاس! إنّ هذا البكاء، إذن، ليس سوى عرضٍ لمرضٍ أعمق، يُشير إلى هشاشة البنى التي تُفترض فيها الشفافية والمساءلة، وإلى قدرة الخطاب على تحويل الحقائق وتشكيل الوعي .

و عندما نقوم بالفلاش باك لغاية وحدة الموضوع وتحديد أصل الداء و قرن الشيطان ! تتجسد ‘عقدة المنشار’ في قضية صفقة النظافة بزمن غير بعيد، حيث تُكشف آليات الصراع على النفوذ وتوزيع “الفساد العادل” ، إنّ (عزل) ممثل الحكومة لرئيس المجلس البلدي و (منعه) من الترشح و تعويضه بمعاق عقلي و بيولوجي له القابيلة للذل و الهوان و الاستعباد وزبانية من المرضى و الفسدة و المدمنين ، ليس مجرد إجراءٍ إداريٍّ، بل هو فعلٌ سلطويٌّ يُعيد ترسيم حدود القوة ويُعاقب على “الخروج عن النص” ، إنّ “فهلوة” (عزل) رئيس المجلس البلدي السابق ، التي تمثلت في منعه للتقسيم العادل للفساد، تُشير إلى محاولةٍ لكسر التوافقات الضمنية التي تُشكل أساس عمل هذه الشبكات، فما يُطلق عليه ‘الفساد العادل’ ليس سوى تعبيرٍ عن أيديولوجيا تُبرر الاستغلال وتُعيد إنتاج التناقضات. 

إنّ غضب العامل وكاتبه العام والباشا…إبانها ، ليس مجرد رد فعلٍ على خسارةٍ مادية، بل هو تعبيرٌ عن صراعٍ على توزيع الريع، وعلى الحفاظ على بنية تُتيح لهم الاستفادة من آليات الفساد، إنّ هذه ‘العقدة’ تُشير إلى أن الفساد ليس مجرد ممارساتٍ فردية، بل هو نظامٌ مُتكامل، له قواعده وأعرافه، ويُعاقب كل من يُحاول الخروج عن هذه القواعد، إنّ الدولة، في هذا السياق، لا تُمارس دورها ككيانٍ محايد، بل تُصبح أداةً في يد القوى المهيمنة، تُستخدم لإعادة إنتاج علاقات القوة وتوزيع الثروة بطرقٍ تُخدم مصالحها، إنّ هذه الصفقة، إذن، ليست مجرد صفقة نظافة، بل هي مرآةٌ تعكس آليات القوة في توزيع الفساد، وكيف تُصبح المقاومة، حتى وإن كانت من داخل النظام، مُعرضةً للقمع والإقصاء.

ماذا أريد أن أقول من خلال هاتين  القضيتين كنموذج في تحليلٍ (تفكيكيٍ)ّ متواضع ! المكثف للوضع الفاسد في هذه الجغرافية؟ أنه تتجلى في العلاقة المشبوهة بين ممثل الحكومة في هذه الإيالة  ووزير الداخلية كبنيةٍ أساسيةٍ تُشكل العمود الفقري لشبكة الفساد، إنّ هذه العلاقة ليست مجرد تحالفٍ بين شخصين أو دعم مباشر منه و من قوى مركزية فاسدة ، بل هي تجسيدٌ لتداخل السلطات وتآكل الحدود بينها، فممثل الحكومة، الذي يُفترض فيه تمثيل السلطة التنفيذية، ووزير الداخلية، الذي يُفترض فيه حفظ الأمن والنظام، يُصبحان معًا جزءًا من آليات تُعيد إنتاج الفساد وتُحصّنه، إنّ هذه العلاقة تُشير إلى أن القوة لا تُمارس بشكلٍ هرميٍّ بسيط، بل تتخلل العلاقات وتُشكل تحالفات غير مرئية، تُصبح فيها ‘المعرفة’ عن هذه التحالفات جزءًا من القوة، إنّ هذا التداخل يُفضي إلى غياب المساءلة والشفافية، ويُحوّل المؤسسات إلى أدواتٍ لخدمة المصالح الخاصة. 

إنّ هذا الوضع الفاسد ليس مجرد نتيجةٍ لضعفٍ أخلاقيٍ، بل هو نتاجٌ لبنية تُشجع على الفساد وتُكافئه، وتُحوّل الخطاب عن الشفافية والمساءلة إلى مجرد واجهةٍ تُخفي الحقائق، إنّ تفكيك هذه العلاقة يتطلب الكشف عن آليات عملها، وعن الخطابات التي تُبررها وتُشرعنها، وعن الكيفية التي تُصبح بها هذه العلاقة جزءًا من ‘نظام الحقيقة’ الذي يُنتج الفساد ويُعيد إنتاجه، إنّ هذا التحليل يُعيدنا إلى جوهر رؤية القوة كشبكةٍ مُنتجة، وإلى رؤية الدولة كأداة في يد الطبقات المهيمنة، حيث يُصبح الفساد ليس مجرد استثناء، بل هو القاعدة التي تُبنى عليها هذه الجغرافية السياسية .

مثلث برمودا: فياجرا السلطة و بخور الديوان و نقابة الخيانة ثلاثية الشعوذة في مدينة الأشباح !بقلم : عبد القادر العفسي

 

 


مثلث برمودا: فياجرا السلطة و بخور الديوان و نقابة الخيانة ثلاثية الشعوذة في مدينة الأشباح !

 3يونيو2025

بقلم : عبد القادر العفسي 

سَئل أبو العباس، الملقب ب”السفاح العباسي”أحد أمراء الدولة الأموية، كيف ضاعت دولة بني أمية؟ فأجاب ببرود قاطع كحد السيف: “أولينا كبارنا صغار الأمور، وأولينا كبار الأمور صغارنا”، حكمةٌ تاريخيةٌ تتردد أصداؤها في أروقة السلطة عبر العصور، لتجد تجسيداً كاريكاتوريا مريرا في شخصية رئيس “مجلس بلدي” و هو يتعاطى قنينات الجعة ليتحول عندها كطفل تعرض لاغتصاب و يديه بين فخديه… هذا الكائن الهلامي الذي يتمدد نفوذه كبقعة زيت قذرة على ثوب المدينة البالي، لا يُسائل هو عن ضياع دولة، بل عن ضياع مدينة بأكملها، عن تحويلها إلى إقطاعية شخصية يديرها بمنطق “صغار الأمور” التي تستحوذ على عقله وقلبه، أو ما تبقى منهما،فكبيرُ أمور المدينة، مصالحها ومستقبلها، أوكلها لـ”صغارنا”، لتلك الحفنة من المنتفعين والمرتزقة الذين يشكلون حاشيته المقربة، بينما انشغل هو، كبيرُ القوم ظاهرياً ! بصغائر الأمور، بل بأصغرها وأكثرها حميمية وإحراجاً! يقال، والعهدة على الراوي أن: الرجل يعاني من مشكلةٍ عضوية دقيقة، صراع يومي مع رجولته المتخاذلة، مع ذلك الجزء من جسده الذي يخذله في اللحظات الحاسمة، فيترجم هذا الخذلان الداخلي إلى عنفٍ سلطويٍ خارجي، إلى تعويض نفسيٍ بائس عن طريق الهيمنة والتحكم في مصائر الآخرين! كأنما يحاول، عبثاً، أن يثبت لنفسه وللعالم “فُحولةً” سياسيةً تعوض عن عجزه البيولوجي ، فتراه يتجبر ويتعنت في أتفه القرارات، يصرخ في وجه الموظفين الصغار، يستعرض عضلاته الإدارية أمام المواطنين المغلوبين على أمرهم، كديك صغيرٍ منتفش الريش يحاول إخفاء ضعفه الجسدي بصياحه العالي، مشكلته تلك، التي قد تبدو للوهلة الأولى شأناً شخصياً بحتاً، تتحول في سياق السلطة الفاسدة إلى محرك أساسيٍ لآلة القمع والنهب !

فالعجز الشخصي يولد حقداً طبقيا مقنعا، ورغبةً دفينة في إذلال كل ما هو قوي ومنتصب ومكتمل، سواء كان مشروعاً تنموياً حقيقياً يهدد مصالحه، أو موظفاً نزيهاً يرفض الانصياع، أو حتى مجرد فكرةٍ نبيلةٍ تتحدى تفاهته، السلطة هنا ليست مجرد منصب، بل هي “فياجرا” نفسية، جرعة يومية من الغطرسة يحقن بها ذاته المترهلة ليُشعرها ببعض الحياة الزائفة، بينما المدينة تئن تحت وطأة ” صغائر أموره” التي أصبحت كبائر الكوارث  !.

ولكن الرئيس، رغم عنجهيته الظاهرية وعجزه الباطني، ليس وحيداً في مستنقع الفساد هذا، فلكل فرعون هامان، ولكل ديكتاتور صغير مستشاروه الأقزام الذين يزينون له سوء عمله ويشدون من أزر ضعفه، وفي حالتنا هذه يبرز لنا مكان “الخبز الحافي !” ، يبرز ! ظلٌّ أكثر قتامة وإثارة للقلق، هو مدير ديوان العامل، ذلك الكائن الغامض الذي ينسج خيوط المؤامرة في الخفاء، والذي يشكل حلقة الوصل الذهبية – أو بالأحرى الصدئة – بين الرئيس “المفحّم” وبين السلطة الأعلى الممثلة في شخص العامل !هذا المدير ليس مجرد موظف إداري، بل هو كاهن الفساد الأكبر، العقل المدبر لشبكة المصالح المتشابكة، والنقطة التي تتجمع عندها كل خيوط الرشوة والمحسوبية وصفقات تحت الطاولة، ولكن ما يميز هذا ” الهامان “العصري ليس فقط براعته في التلاعب بالقوانين وتوجيه القرارات لخدمة أسياده وخدمة جيبه المنتفخ، بل ممارسته المزعومة للسحر والشعوذة ! نعم، في القرن الحادي والعشرين، وفي مدينة تدعي الحداثة والتقدم، يلجأ مهندس الفساد الأعلى إلى طقوسٍ بالية، إلى بخورٍ وطلاسم وتمائم بل حتى أبواب المنزل و النافدة و الجدران …ليس فقط لتعزيز نفوذه الشخصي وإرهاب خصومه، بل كأداةٍ أساسيةٍ لإدارة “شؤون الدولة و استمرارية البقاء “على مستوى العمالة .

حيث يُشاع ! أنه يستعين بـ”خدام الجن” لمعرفة أخبار خصومه، وللتأثير على قرارات العامل، ولربط لسان كل من تسول له نفسه فضح ممارساتهم، يصبح مكتبه أشبه بوكرٍ للمشعوذين، تتصاعد منه روائح البخور الغريبة، وتُسمع فيه همهمات غير مفهومة، وتُعقد فيه صفقاتٌ مشبوهة تحت رعاية “القوى الخفية”، السحر هنا ليس مجرد خرافة شعبية، بل هو جزء لا يتجزأ من “تكنولوجيا السلطة”، أداةٌ رمزيةٌ بالغة الفعالية لترسيخ الهيمنة في عقولٍ اعتادت الخضوع والاستسلام للغيبيات، إنه يضفي على الفساد هالةً من الغموض والخوف، ويحصّن مرتكبيه ضد أي مساءلة عقلانية أو قانونية، فكيف تحاسب شخصاً يُشاع أنه “مسنود” بقوى خارقة؟ كيف تواجه شبكة فسادٍ تستمد قوتها ليس فقط من المال والنفوذ، بل أيضاً من “بركات” المشعوذين؟ يصبح اللجوء إلى السحر هو التعبير الأكثر فجاجة عن إفلاس المنظومة الأخلاقية والسياسية، تؤشر عن عجزها في بناء شرعيتها على أسسٍ منطقية أو ديمقراطية، فتلجأ إلى الخرافة كغطاء لنهبها المنظم، ورئيس المجلس البلدي ، بعجزه وقلقه الوجودي، يجد في هذاّ المدير المشعوذ ضالته، فهو يقدم له ليس فقط الدعم اللوجستي للفساد، بل أيضاً الدعم ” الروحي ” ، الوهم بالقوة والحماية من المجهول، الطمأنينة الزائفة بأن ” الأمور مسيطر عليها ” بفعل طلاسم المدير وبخوره !.

وهكذا، تتحالف السلطة السياسية الفاسدة مع الخرافة لإنتاج واقعٍ سرياليٍّ كابوسي، حيث تُدار مصائر الناس ليس بالقانون والعقل، بل بالتمائم والرقى وهمسات الجن المزعومة، وفي خضم هذا التحالف الشيطاني بين السلطة السياسية المترهلة والخرافة المتجذرة، تكتمل أضلاع مثلث الفساد المقدس بظهور شخصية لا تقل غرابة وسريالية عن سابقاتها: النقابي الشيوعي المترنح بشعارات الجمهورية ، نعم، شيوعيٌّ في خدمة إقطاعيٍّ فاسد ومشعوذٍ ديواني! مفارقةٌ صارخةٌ تكاد تلامس حدود الكوميديا السوداء، لولا أنها واقعٌ مريرٌ تعيشه المدينة كل يوم! هذا النقابي، الذي من المفترض أن يكون صوت العمال والمهمشين، المدافع عن حقوقهم ضد تغول رأس المال والسلطة، يتحول بقدرة قادر إلى مجرد “مسكن ألم” للمجتمع، بوق دعايةٍ رخيصٍ للنظام الفاسد، ومُنفذ أمينٍ للمهام القذرة التي يترفع عنها الرئيس وحاشيته “المحترمة”، يتشدق بالشعارات الثورية القديمة، يستحضر “لينين” و”ماركس” في خطاباته الرنانة أمام العمال المخدوعين، بينما يده اليمنى تمتد في الخفاء لتصافح يد الرئيس، وتتلقى الفتات المتساقط من موائد الصفقات المشبوهة، إنه يتقن فن اللعب على الحبلين: يظهر بمظهر المعارض الشرس في العلن، لينفّس عن الاحتقان الاجتماعي ويحتوي الغضب الشعبي، بينما في الكواليس، يعمل كجاسوسٍ مخلصٍ للرئيس و من يدفع و لدوائر عدة ! ينقل أخبار الكل ونواياهم، ويُجهض أي محاولةٍ جادةٍ لتنظيم وقفة أو احتجاج …

دوره لا يقتصر على التخدير والتضليل، بل يتعداه إلى تنفيذ المهام الأكثر قذارة : ترهيب المعارضين الحقيقيين، فبركة الملفات، نشر الإشاعات المغرضة، تنظيم المسيرات “العفوية” المؤيدة  عند الحاجة، وحتى، كما يُهمس في الصالونات المغلقة، التورط في أعمال عنفٍ رمزي  ضد كل من يجرؤ على تحدي المنظومة ، انحرافه السياسي ليس مجرد تحولٍ تكتيكيٍّ أو براغماتيةٍ زائفة، بل هو خيانةٌ عميقةٌ للمبادئ التي يدعي الدفاع عنها، سقوطٌ مدوٍّ في وحل الانتهازية والمصلحة الشخصية، لقد أدرك بذكاءٍ شيطانيٍّ أن “النضال” في ظل نظام فاسد يمكن أن يكون مربحاً أكثر من النضال ضده ، فبدلاً من تغيير الواقع، اختار التكيف معه والاستفادة منه، يبيع الوهم للعمال، ويبيع ولاءه للخارج كما كان هو و الرئيس ، ويقبض الثمن من كل الأطراف !.

إنه يجسد بشكلٍ مأساويٍ ما أسماه البعض “البنية التحتية الأيديولوجية” للفساد، ذلك الغطاء “التقدمي” أو “النضالي” الذي يضفي شرعية زائفة على نظامٍ قائم على النهب والاستغلال، هو التجسيد الحي لـ”وعي الشقاء” الذي يمنع المقهورين من رؤية واقعهم الحقيقي، ويحول نضالهم المشروع إلى مجرد طقوس شكليةٍ لا تهدد أسس النظام القائم، وجوده ضروريٌّ لاستمرار اللعبة، فهو يضمن بقاء الصراع في حدودٍ شكليةٍ، ويمنع الانفجار الحقيقي الذي قد يطيح بالجميع: الرئيس، والمدير المشعوذ، والنقابي نفسه، هذه ليست مجرد حكاياتٍ فرديةٍ عن شخوصٍ منحرفة اجتمعت صدفةً في بقعةٍ منكوبةٍ من الجغرافيا والتاريخ، إنها تجليات صارخةٌ لبنية عميقةٍ من الهيمنة، لـ”حقلٍ” اجتماعيٍ وسياسيٍ موبوء تتصارع فيه قوى مختلفة، ليس بالضرورة عبر المواجهة المباشرة، بل عبر إنتاج وترسيخ أشكالٍ من “العنف الرمزي” الذي يجعل الخضوع يبدو طبيعياً، بل وحتى مرغوباً فيه أحياناً .

فالرئيس، بسلطته المستمدة من منصبه الهش وعجزه الشخصي المتضخم، لا يمارس فقط القمع المادي المباشر، بل يفرض “ذوقه” الرديء، منطقه الأعوج، ورؤيته القاصرة كـ”حقيقةٍ” موضوعية لا تقبل الجدال، يصبح جسده المأزوم، ورغباته المكبوتة، هي المقياس الذي تُقاس به أمور المدينة ومصائر سكانها، إنه يجسد تلك السلطة التي لا تكتفي بالتحكم في الأفعال، بل تسعى للتحكم في الأفكار والمشاعر، في “الهابيتوس”، في تلك الاستعدادات والتصورات الداخلية التي تجعلنا نتقبل ما لا يُحتمل، أما مدير الديوان المشعوذ، فهو يمثل الوجه الآخر، الأكثر قتامة وربما الأكثر فعالية، لهذه السلطة، إنه يتقن لعبة “المعرفة قوة”، ولكن معرفته ليست علمية أو عقلانية، بل هي معرفةٌ غامضةٌ، باطنيةٌ، مستمدةٌ من عالم الخرافة والوهم، هذه “المعرفة” تمنحه سلطةً هائلة، ليس فقط على مرؤوسيه ومنافسيه الذين يخشون “بأسه” الخارق، بل حتى على رئيسه الذي يرى فيه ملاذاً من قلقه الوجودي، السحر هنا ليس مجرد طقسٍ فولكلوري، بل هو “تقنية حكم” متكاملة، آليةٌ لإنتاج الطاعة وترويض النفوس، شكل من أشكال “السلطة الرعوية” التي تدعي رعاية الأفراد بينما هي تستعبدهم باسم قوى غيبية ،إنه يحول الفساد من مجرد ممارسة إجرامية إلى نظام له منطقه الداخلي، له “روحانيته” الخاصة التي تبرره وتحصنه .

ثم، يأتي دور النقابي “الشيوعي” ليكمل دائرة الهيمنة، إنه يمثل الذراع الأيديولوجية للنظام، الجهاز الذي يحول الصراع الطبقي الحقيقي إلى مجرد تمثيليةٍ هزلية، هو”المثقف العضوي! ” للفساد، الذي يستخدم لغة الثورة لتبرير الاستغلال، ويستعمل أدوات النضال لخدمة أعداء النضال، إنه يدير “اقتصاد الألم”، يستثمر في يأس الناسومعاناتهم ليحولها إلى رأسمالٍ سياسيٍ يضعه في خدمة أسياده، دوره لا يقل أهمية عن دور المشعوذ؛ فإذا كان الثاني يروض النفوس بالخوف من المجهول، فإن الأول يروضها بالوهم والأمل الكاذب، بتلك الجرعات المخدرة من الشعارات الجوفاء التي تمنع الوعي الحقيقي من التشكل.

الثلاثة معاً – الرئيس العاجز، المدير المشعوذ، والنقابي الخائن – يشكلون بنيةً متكاملةً للسيطرة، حيث تتضافر السلطة السياسية الرسمية، مع سلطة الخرافة، مع سلطة الأيديولوجيا المخادعة، لخلق واقعٍ مشوه، لإنتاج “مواطن” مذعنٍ، مستسلمٍ، فاقدٍ للقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، بين الجلاد والضحية، إنها ليست مجرد مجال فاسد، بل هي “آلة” معقدة لإنتاج وإعادة إنتاج التخلف والتبعية، آلةٌ تطحن ليس فقط موارد المدينة، بل أرواح سكانها أيضاً، وتحولهم إلى مجرد أشباحٍ تائهة في مدينة يحكمها السفاحون الصغار وأسيادهم الكبار.

عامل الخراب: بورتريه في الفساد كبنية و السخرية قدرا !بقلم: عبدالقادر العفسي

 



عامل الخراب: بورتريه في الفساد كبنية و السخرية قدرا !

 28 مايو 2025

بقلم: عبدالقادر العفسي/العرائش

في ركح العبث الذي تتشكل فصوله على رقعة جغرافية تبدو وكأنها نسيت على هامش التاريخ والجغرافيا معاً، تتجلى مفارقة صارخة تستعصي على الفهم السطحي وتتطلب غوصاً في مكامن السلطة ودهاليزها الخفية، هنا، حيث يُفترض أن تتجسد هيبة الدولة وفعاليتها في شخص ممثلها الأعلى، نجد مشهداً أقرب إلى لوحة سريالية متقنة: شخصية تتربع على عرش المسؤولية الإقليمية، لا لتُدير أو تُصلح أو تبني، بل لتتقن فن المشاهدة السلبية، وتتحول إلى متفرج محترف في مباراة هدم الأسس التي تقوم عليها الدولة ذاتها، إنه الخمول المتأنق والتقاعس الممنهج، الذي لا يثير استغراباً بقدر ما يثير تساؤلات حول طبيعة القوة التي تبقيه في منصبه، وكأنه قطعة أثرية لا تُمس، أو ربما ترس أساسي في آلة أكبر وأكثر تعقيداً مما يبدو على السطح،إنها ليست مجرد قصة مسؤول فاشل، بل هي حكاية نظام بأكمله يتغذى على مثل هذه النماذج، ويجد في سلبيتها ضماناً لاستمراريته، في مشهد يبعث على الضحك المرير والتساؤل عن ماهية الدولة في هذا الركن المنسي من العالم.

يتجلى فن الحكم لدى هذا المسؤول في صورة فريدة من نوعها، فهو لا يمارس السلطة بالمعنى التقليدي للتدخل والتوجيه، بل يمارسها عبر الغياب المحسوب والحضور الشكلي الباهت، إنه يتقن فن “الوجود دون أن يكون”، فيحول المؤسسة إلى صومعة تأمل في فراغ الإنجاز، ويجعل من اجتماعاته الرسمية طقوساً لتلاوة محاضر جاهزة ومباركة “الأطباق الجاهزة” من الحلول المستوردة التي لا تمت للواقع المحلي بصلة، إلا صلة الغريب بالقريب، هذا الميل الفطري نحو الخمول ليس مجرد كسل فردي، بل هو إستراتيجية متكاملة، أسلوب حياة تحول إلى منهج حكم، حيث تصبح السلبية فضيلة، والتقاعس حكمة، والقدرة على تفادي اتخاذ أي قرار فعلي هي قمة المهارة السياسية، إنه يمثل تجسيداً حياً لفكرة أن السلطة لا تحتاج دائماً إلى الفعل لكي تكون مؤثرة؛ فالصمت المطبق، والتجاهل المتعمد، والانصراف الكلي نحو ترتيب المصالح الخارجية – تلك التي يمكن المساومة بها كورقة رابحة في لعبة أكبر – يمكن أن تكون أدوات أشد فتكاً من أي قرار أو مرسوم هو لا يحكم، بل “يُحكم به”، أو بالأحرى، يُستخدم فراغه كفضاء لنمو كل ما هو فاسد وهش، وكأنه حارس أمين على خراب منظم.

وفي ظل هذا الفراغ القيادي المتقن، تزدهر حديقة الفساد الخلفية بكل ألوانها وأشكالها، وتتحول المناصب والموارد إلى غنائم مباحة في سوق مفتوح لا تحكمه قوانين إلا قانون القوة والمنفعة الآنية. هنا، لا يصبح الفساد مجرد انحراف سلوكي فردي، بل يتحول إلى بنية تحتية موازية، نظام متكامل له قواعده وشبكاته ولغته الخاصة التي لا يفهمها إلا المشتغلون به. وتتسع دائرة هذا العفن لتطال المشهد السياسي برمته، فيحدث ما يشبه عملية “تمييع” كبرى للخريطة السياسية، حيث تتلاشى الحدود بين المبادئ والمصالح، وبين الكفاءة والولاء الأعمى، وبين الجدية والتهريج! وفي هذا المناخ الموبوء، ليس غريباً أن نرى الواجهة السياسية تتزين بشخصيات كاريكاتورية خرجت لتوها من هوامش المجتمع الأكثر ظلمة: تجار الوهم ومتعاطو الممنوعات يتحولون بقدرة قادر إلى مشرعين، ومنظمو الليالي الحمراء يصبحون خبراء في التنمية المحلية، والشواذ و شواذ عن كل منطق وقيمة يتبوؤون مناصب قيادية، والجهلة الذين لا يتقنون إلا لغة الصراخ والابتزاز يرتدون عباءة الحكمة والتمثيل الشعبي! إنها ليست مجرد فوضى، بل هي إعادة تشكيل ممنهجة للمشهد، حيث يتم تفريغ السياسة من أي محتوى جاد، وتحويلها إلى سيرك كبير يضمن استمرار اللعبة بنفس اللاعبين، أو على الأقل بنفس القواعد التي تضمن بقاء الوضع على ما هو عليه، خدمةً لمن يديرون الخيوط من وراء ستار.

والأمر الأكثر إثارة للحيرة، وربما للسخرية المرة، هو هذا البقاء المستمر، هذا التجذر في المنصب رغم كل الشواهد الدامغة على الفشل الذريع، بل والمساهمة الفعالة في التدهور، كيف يمكن تفسير هذا الصمود الأسطوري في وجه العقل والمنطق والمصلحة العامة؟ هنا، تبرز همسات وتكهنات تتحول شيئاً فشيئاً إلى قناعة راسخة في الأوساط المطلعة، وإن كانت لا تُقال علناً إلا في الغرف المغلقة: أن هذه الرقعة الجغرافية لا تُعامل كجزء أصيل من نسيج الدولة، بل كـ”إيالة” بعيدة، أو مقاطعة تُمنح كإقطاعية لمن يدفع أكثر أو يقدم ضمانات ولاء أعمى لجهات نافذة داخل مراكز القوى الخفية، يصبح التعيين في هذا المنصب الرفيع ليس تتويجاً للكفاءة أو الخبرة، بل نتيجة صفقة معقدة، عملية “جمع خراج” غير معلن، يُدفع مقابل الحصول على الضوء الأخضر للاستمرار في النهب المنظم أو على الأقل ضمان عدم المساءلة، وفي هذه المعادلة الساخرة، يصبح بقاء المسؤول الحالي، بخموله وفساده الظاهر! ليس لغزاً بل ضرورة؛ فهو الضمانة لاستمرار تدفق “الخراج”، وهو الواجهة المثالية التي تخفي وراءها شبكات المصالح الحقيقية، والمفارقة الأشد إيلاماً هي ذلك الاحتمال القائم بأن رأس الهرم ، قد لا يكون على دراية تامة بتفاصيل هذه اللعبة القذرة، مكتفياً بتقارير مضللة وصور وردية لا تعكس الواقع المرير لهذه “الإيالة” المنسية .

إذن، هذا المسؤول ليس مجرد شخصية سلبية أو فاشلة بالصدفة، بل هو، في التحليل الأخير، أداة وظيفية بامتياز إنه يمثل الواجهة المثالية لنظام يفضل الظلال على الأضواء، والغموض على الوضوح، بقاؤه في منصبه ليس دليلاً على قوته الشخصية، بل على فائدته للآخرين، للقوى الخفية التي تجد في خموله غطاءً مثالياً لممارساتها، وفي سمعته السيئة درعاً يحميها من المساءلة المباشرة، هو أشبه بـ”فزاعة”تُنصب في حقل السياسة، لا لتخيف الغربان الطارئة، بل لتطمئن اللصوص المحليين وتوفر لهم بيئة آمنة للعمل، إن وجوده يضمن استمرار “التوازن المختل” ويحافظ على دوران عجلة المصالح الضيقة بنفس الإيقاع الرتيب، هو لا يعرقل شيئاً لأنه لا يفعل شيئاً، وهذا بحد ذاته إنجاز في نظر من يريدون للوضع أن يبقى على حاله. يتم الاحتفاظ به كقطعة ديكور باهظة الثمن في صالون السلطة، وظيفتها الوحيدة هي إشغال الكرسي ومنع أي شخص جاد أو مؤهل من الاقتراب منه، إنه التجسيد الحي لفكرة أن السلطة في بعض الأحيان لا تحتاج إلى وجوه قوية، بل إلى أقنعة فارغة يمكن تحريكها بسهولة لخدمة مسرحية العبث الكبرى .

وهكذا، يكتمل المشهد السوريالي لهذه الرقعة الجغرافية، حيث لا يحكم المنطق ولا الكفاءة، بل تحكم قوانين العبث المنظم والمصالح المتشابكة التي تجد في الخمول والفساد تربة خصبة لنموها، إنها ليست مجرد قصة مسؤول عابر، بل هي مرآة تعكس تشوهاً بنيوياً عميقاً في جسد الدولة والمجتمع، حيث يصبح الفراغ هو السلطة، واللامبالاة هي السياسة، والواجهات الكاريكاتورية هي قدر هذا المكان، ويبقى السؤال معلقاً في الهواء، كثيفاً كضباب الصباح، ومريراً كطعم الهزيمة: إلى متى سيستمر هذا المسرح الهزلي؟ وإلى متى سيبقى الجمهور، من نخبة ودولة ومجتمع، يصفق بحرارة أو يكتفي بالصمت المطبق أمام هذا العرض البائس الذي يستهلك مستقبل أجيال بأكملها؟ إن حالة عدم الرضى هنا ليست مجرد شعور عابر، بل هي قناعة راسخة بأن ما يجري هو إهانة للذكاء، وتبديد للأمل، وتكريس لواقع لا يمكن القبول به إلا على سبيل السخرية السوداء، تلك التي تضحكك حتى البكاء! .


Translate/ترجمة

محمد VI ملك المملكة المغربية

محمد VI ملك المملكة المغربية
ليس هناك درجات في الوطنية، ولا في الخيانة. فإما أن يكون الشخص وطنيا، وإما ان يكون خائنا
 
جميع الحقوق محفوضة موقع العرائشية 2013 اتصل بنا